وضع السياسيون والقادة العسكريون وأعضاء العائلة المالكة البريطانية أكاليل الزهور على النصب التذكاري للجندي المجهول أمام حشد من مئات المحاربين القدامى. وبينما كانوا يقومون بذلك، انتقل الكثير من الناس من التفكير في المعاناة التي سببتها الحروب السابقة، إلى تدبر المعاناة من جراء عمليات القتال الحالية.

إن أهداف مشاركة بريطانيا في الحرب بأفغانستان لم تكن دائماً بالقدر الكافي من الوضوح المطلوب. وتزامن الغزو المبدئي في عام 2001 مع الإسراف في الوعود بإنزال الهزيمة بالأيديولوجية العنيفة لحركة طالبان، وتحويل أفغانستان من مكان لممارسات العصور الوسطى وتحيزاتها إلى مجتمع حر وديمقراطي.

وبعد مرور قرابة عقد من الزمان، وبعد مقتل 343 جندياً بريطانياً، فإن الهدف من الوجود العسكري البريطاني ثم الإقرار بانه أكثر تواضعاً بكثير.

وكما يوضح الجنرال السير «ديفيد ريتشاردز»، رئيس الأركان البريطاني، خلال مقابلة أخيراً مع صحيفة «صنداي تلغراف»، فإن الهدف لم يعد إلحاق الهزيمة بأيديولوجية طالبان، وإنما احتواء تهديدها الفتّاك.

ويعتبر هذا، قبل كل شيء، هو السبب في وجود بريطانيا في أفغانستان، فإذا قدر لأفغانستان العودة إلى السيطرة على حركة طالبان، فسوف ترتد إلى كونها مركزاً إقليمياً لتخطيط الاعتداءات الإرهابية ضد الغرب وتنفيذها.

وعندما تستطيع الحكومة الأفغانية احتواء هذا التهديد مساعدتنا، فسوف تغادر قواتنا أفغانستان. وكما يقول الجنرال ريتشاردز، لن يكون ذلك نصراً تقليدياً. ولكن سوف يعني أن مهمة الجنود البريطانيين في أفغانستان قد أٌنجزت. وفي عضون ذلك ،سوف يكون هناك المزيد من التضحيات وسقوط المزيد من الضحايا. فالمهمة الجوهرية تتمثل في التأكد من أن هذه الخسائر ذهبت سدى.

البعض يقول إنه لا يوجد على الإطلاق ما يبرر وجود الجيش البريطاني في أفغانستان. وهذا محض هراء. هؤلاء الجنود الشجعان الفقراء يموتون بدون أي مبرر على الإطلاق. جميع الخزعبلات حول وقف المسلحين في أفغانستان الذين يدبرون لشن هجمات ضدنا يعتبر هراء.

ربما يفعلون ذلك الآن في مجالسهم الحرة في «برادفورد» و»لسيستر» (بعدما منحهم رئيس الوزراء الأسبق توني بلير وأعوانه تأشيرات الدخول بحرية وجوازات السفر والمنازل والمزايا الأخرى).

وهؤلاء الذين تعطلت خططهم في أفغانستان ربما يكونون قد انتقلوا إلى الصومال أو في أي مكان آخر. فالذين يقاتلون جيشنا في أفغانستان ما هم إلا الأفغان الذين يعترضون بوجه حق على الجيوش الأجنبية المحتلة لبلدهم.

إنهم يقفون بالمرصاد ضد عدو أحمق يتصرف بوحشية ويقف أمام طريق التقدم. إنهم يقفون بالمرصاد حتى تحقق التنمية غايتها وتوفر الوظائف والغذاء للشباب الذين لن يمكنهم العيش بدون تنمية إلا من خلال الانضمام إلى عصابة تسمى حركة طالبان.

إن الطريقة الوحيدة التي يمكن للسياسيين من خلالها تحقيق الأفضل هي حظر «العطلات» في باكستان وأفغانستان والعراق الصومال واليمن أو في أي مكان حيث يمكن للفئات الضعيفة أن يصيبها هذا الداء المسمى الإرهاب. فإذا فعلنا ذلك، واضطهدنا الشباب فسوف نعيق بذلك الاقتصادات في تلك المناطق.

فما يجب أن يفعلوه هو أن يبعدوا أنفسهم عن السلوك المهلك وهو التمييز بين الجنسين قولوا ذلك بصوت عالٍ واحظروا هذا التمييز. إننا نقول ما لا نفعل. وسوف يستغرق الأمر أجيالاً مقبلة للإصلاح.

وبالنسبة لمن لا يرغبون أن يروا حياة جنودنا تزهق في أفغانستان ستكون هناك مظاهرات أخرى تلي تلك التي أقيمت في «هايدبارك» أخيراً. تعالوا وقولوا لأي من كان أن الحكومة البريطانية تدير الأمور بطريقة لا تريدونها بعد الآن.

صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية