ربما لم يكن مستغرباً قبل زمن أن نسمع عن خطأ طبي أثر في صحة مريض أو أدخله في حالة صحية أصعب وأعقد من الحالة التي أتى من أجلها قاصداً الأطباء، وعلى الرغم من قلة مثل تلك القصص يومها إلا أن لها مبرراً مقبولاً نوعاً ما نظراً لقلة الإمكانيات الطبية أو الوسائل التشخيصية أو السبل العلاجية، إلا أن الأمر لم يعد مقبولاً بأي شكل من الأشكال بعد أن بلغ الاهتمام بالشأن الطبي حداً كبيراً من حيث كفاءة الأطباء الذين يخضعون للتقييم الدقيق قبل نزولهم إلى ميدان العمل المهني، والاهتمام بتجهيز المستشفيات أو العيادات بأحدث الوسائل التشخيصية والعلاجية.

والشيء الغريب الذي يثير تساؤلاً كبيراً هو تفاقم حالات الأخطاء الطبية يوماً بعد يوم في بلد مثل الإمارات أقل ما يقال عنه انه وضع رقي الخدمات المقدمة لأبنائه والمقيمين على أرضه في قمة أولوياته، وسعى إلى جلب أحدث ما يخدم هذا الغرض في المجال الطبي واستقطب ألمع الأطباء ومنحهم الكثير من الامتيازات ليكونوا عوناً على تحقيق هذه المعادلة الإنسانية الحضارية.

والأخطاء الطبية وإن كانت لم تبلغ حد الظاهرة في مجتمعنا إلا أنها في طريقها إلى ذلك إذا استمر السعار المادي مستشرياً في بعض المؤسسات الطبية الخاصة، وعدم المبالاة بأرواح الناس في بعض مستشفياتنا الحكومية مع الأسف.

وإذا كنا لا ننكر من حيث الأساس وقوع الخطأ الطبي فهو وارد بحكم أن الطبيب في النهاية إنسان قد يقع منه التباس في التشخيص يقوده إلى إجراء لم يكن في الحسبان، إلا أن ما ليس منطقياً أن يكون الخطأ محوره الأساسي هو الإهمال والاستخفاف بصحة الناس، أو قلة مرافق العناية والمتابعة في المستشفيات وهي من أبسط أبجديات العمل الطبي، ومن أمثلة ذلك أخطاء في التشخيص، أو في إجراء الفحوصات أو خلط في العينات، أو في نتائج الفحص والتقدير، وفي إعطاء جرعات دواء مختلفة عما تتطلبه حالة المريض أو إعطاء دواء مختلف، أو إرشاد الطبيب للمريض بنصح يضر به، أو امتناع الطبيب عن استكمال إجراء يحتاج إليه المريض، أو حدوث أي خطأ في أثناء إجراء العمليات الجراحية، وينتج عنه مخاطر يعانيها المريض من جراء عملية خطأ، أو استئصال عضو فعال بالخطأ أو ناتج عن خطأ التشخيص لحالة مرضية، أو صرف دواء مخالف لما وصفه الطبيب، أو كل ما يرتبط بحالة المريض عندما يعاني إجراء غير سليم مخالفا للقواعد الأصولية التي تتبع عند مزاولة مهنة الطب أو التمريض، وهذه الأمور قد رصدتها القوانين الجنائية ووضعت لها العقوبات اللازمة والكفيلة بردعها، إلا أنها لا تزال تقع بين حين وآخر وكأن الخطأ الطبي يكفي في التعاطي معه غرامة مادية قلّت أو كثرت، ولا ننتبه أنه قد يؤدي في بعض الأحيان إلى دخول المريض في عالم آخر من العجز والإعاقات أو حتى فقدان الحياة التي لا يجدي معها إدانات وغرامات واعتذارات.

ومما لا شك فيه أن الهيئات الرقابية الصحية ممثلة في وزارة الصحة وما يقوم مقامها تبذل وسعها في متابعة المؤسسات التي تعنى بتقديم الخدمات الطبية، كما أن قوانين الإمارات نظمت أصول العلاقة بين المريض والجهات الطبية وضمنت التشريعات استيفاء حقوق الجهتين عند التقاضي أو الشكاوى بما يكافئ أرقى النظم العالمية بهذا الشأن.

إلا أن معالجة مثل هذه الأخطاء تظل مسؤولية مشتركة لا تقف عند حدود القوانين والتشريعات وهي بلا شك ضرورية وضامنة لحقوق الأفراد وعاصمة في كثير من الأحيان عن التمادي في الإهمال وأخذ الحيطة والحذر عند التعامل مع حياة المرضى، لكن الأمر يحتاج إلى تفعيل مبدأ الرقابة الذاتية في العاملين في الوسط الطبي سواءً كانوا أطباء أو ممرضين أو هيئات إدارية، وأن تكون هذه الأبجديات مما يعاد التذكير به باستمرار للتخفيف من حدة اللهاث وراء جيوب المرضى وتجاهل معاناتهم، وحماية البيئة الطبية من جراثيم الطمع المادي القاتل التي تفقد أول شروط الصحة والعلاج وهي الثقة بين الطبيب والمريض.

والجهة الثالثة بعد المشرعين القانونين والجهات الطبية على اختلافها المطالبة بالسعي لقمع مثل هذه الظاهرة هم المرضى أنفسهم في أن يملكوا الحد الأدنى من الثقافة الصحية والأخذ برأي أكثر من طبيب عند الإقدام على إجراء العمليات الحرجة وعدم السكوت على الأخطاء أو مشاهد الإهمال في المؤسسات الطبية الخاصة أو الحكومية ليكتمل ثالوث قمع الظاهرة وتوضع لها الضوابط التي تمنع استفحالها.