مفارقة لها شجن بمذاق خاص عندما يحتفل لبنان بذكرى الاستقلال الـ 67 وهم يلهثون في أكثر من اتجاه بحثاً عن تهدئة ما، من داخل البلاد أو من خارجها من أجل تجنب القادم من احتمالات التصعيد بين فرقاء الحكم، والمحكمة الدولية الخاصة بكشف قضية اغتيال رفيق الحريري تأتي في واجهة الأحداث خلال المرحلة الحالية.
وكأنها تمارس لعبة حبس الأنفاس من خلال بث معلومات بين الفينة والأخرى ترفع من وتيرة الواقع الهش أصلاً من خلال استدراج التناقضات التي تغطي الساحة إلى ردود فعل كلها تقريباً تؤدي إلى تسخين التصريحات وتعالي الأصوات بين الفعل ورد الفعل وكل ما يعنيه هذا من استنزاف للحالة المعيشية العامة للبنانيين.
لذا ليس غريباً أن يتقاطر إلى العاصمة بيروت أكثر من ضيف عربي وإقليمي ليلتقوا «الرئاسات الثلاث»، وهي لقاءات قد تتعدد أسبابها لكنها في المحصلة النهائية تشير بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك جهداً يبذل من بعض الأطراف من أجل تثبيت الهدوء وتجنب السوء المتوقع إذا ما صدر قرار المحكمة محملاً عناصر حزب الله مسؤولية الحدث.
وفي ظل انتشار الإشاعات وغياب المعلومات تتزاحم التحليلات بحثاً عن الحقيقة وقراءة لعموم التحركات ولذا نسمع عن أفكار، ونلتقط اتصالات بين دمشق والرياض وبيروت وهي في مجموعها مساعي هدفها إيجاد خارطة طريق تضمن الخروج من عنق زجاجة «الدولية» بأقل حد ممكن من الخسائر.
ومع التقدير لكل هذا الجهد السياسي والدبلوماسي المبذول من قبل الخارج يبقى صادق المحك مرتبطاً بعناصر الداخل اللبناني وهنا يجب ان يتحمل رجالات الدولة مسؤولياتهم الوطنية، بل والتاريخية من أجل تغليب أمانة الوطن وحفظه من ويلات الخلافات والتعاهد على عدم اللجوء إلى العنف لمعالجة ما يمكن أن يظنه البعض ظلماً لطائفة أو تصفية لطيف مشارك في السلطة.
ومع كل التخوفات من المستقبل الذي قد يحمل معه قنابل ناسفة للسلم الأهلي يبقى الأمل معقوداً على ذوي النهى وأهل الحكمة القادرة على تجاوز القادم الأصعب بمزيد من الإصرار على إطفاء نار الفتنة واعتماد الحوار لغة مالها ثاني للتغلب على الخلافات في وجهات النظر وعلى التحديات المتوالية التي لن تستثني أحداً من نتائجها المدمرة إذا لم يتم تغليب العقل.