تواجه الولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان ظروفا أسوأ بكثير مما كانت تواجهها هناك القوات السوفيتية في ثمانينات القرن الماضي. ورغم الخلافات فإنه ينبغي التفكير في كيفية التعاون بين روسيا والولايات المتحدة، خاصة ومن الواضح أن باقي حلفاء أميركا يؤدون دورا ثانويا في المسار الأفغاني.

لا أحد يفكر في احتمال مشاركة روسيا العسكرية المباشرة، حيث يصعب تصور أي سبب مقنع يجعل موسكو تتدخل في حرب خاسرة سلفا لاسيما مع اقتراب الهزيمة. البراهين أن «حلف الناتو يقوم بعملنا أثناء محاربته «طالبان» لها حق في الوجود، ولكن ذلك لا يعني أي شيء، إذ أن الولايات المتحدة وحلفاءها أتوا إلى هذه الجبهة بسبب احتياجهم إلى ذلك وليس بطلب من روسيا. إلا أن انسحاب التحالف الدولي قد يتسبب في مخاطر جديدة بالنسبة لروسيا في مجال الأمن، إذ أن الوضع في أفغانستان غير قابل للتنبؤ.

لذا، يجوز اعتبار قضية التعاون بين روسيا وحلف الناتو ملحة. ولكنه لا يجب مناقشة كيف تساعد موسكو الحلف في مواصلة الأعمال القتالية (الترانزيت وحده يكفي)، وإنما ماذا نفعل في أفغانستان بعد انسحاب قوات التحالف.

لا توجد لدى واشنطن خطة عمل محددة. وتعد استقالة قائد القوات الأميركية في أفغانستان، الجنرال ستانلي ماكريستال، في الصيف الماضي والتسريبات التي وردت مؤخرا في كتاب بوب ودورد، خير دليل على أن القيادة السياسية والعسكرية الأميركية منقسمة حول الاستراتيجية الأفغانية وأهداف العملية. وغالبا سيكون الهدف في الفترة القادمة هو وضع خطة انسحاب يجوز تقديمها على أنها نجاح أو تفادي فشل صريح على الأقل. وإلا ستمثل الهزيمة ضربة قاسية لصورة الولايات المتحدة وحلف الناتو، باعتبار أن أقوى حلف عسكري وسياسي في التاريخ يفشل في أول عملية مهمة له.

إن الخسارة الصريحة لحلف الناتو ليست في صالح روسيا، إذ أن ذلك قد يرفع من معنوية الراديكاليين في الشرقين الأدنى والأوسط. أما حركة «طالبان» نفسها التي تكافح بشكل أساسي من أجل أراضيها والسيطرة داخل أفغانستان، فلا يبدو أنها قد تتحرك لمد نفوذها شمالا. ولكن جماعات دينية وإثنية مختلفة لها مصالح في آسيا الوسطى قد تنتعش تحت ستار «طالبان». يذكر أنه في فترة تولي حركة «طالبان» زمام السلطة في الفترة من 1996 لغاية 2001 كانت قرغيزيا وطاجيكستان وأوزبكستان تتعرض لضغوط دائمة من قبل المتطرفين الذين كانوا يعتمدون على دعم قادم من أفغانستان. وكانت إمكانيات موسكو لمساعدة الحلفاء محدودة جدا آنذاك.

ويعد الهدف الرئيسي لروسيا في الوقت الحالي هو تعزيز منظمة معاهدة الأمن الجماعي أو بمعنى أصح إقامة منظمة أمن جماعي من جديد. وقد تتمكن روسيا من تحقيق الريادة في المنطقة والحوار على قدم المساواة مع واشنطن هناك فقط في حال اعتمادها على منظمة حقيقية وليس افتراضية للأمن الجماعي.

الموضع الثاني للنقاش مع الولايات المتحدة هو التواجد العسكري الأميركي في آسيا الوسطى بعد انسحابها من أفغانستان. لا شك في أن الأميركيين سيسعون للبقاء هناك بشكل أو بآخر، نظرا للأهمية الاستراتيجية للمنطقة لأسباب كثيرة وغموض حول مستقبل أفغانستان.

وطالبت منظمة شنغهاي للتعاون منذ خمس سنوات واشنطن بتحديد فترة مرابطة قواعدها العسكرية في هذا الجزء من العالم انطلاقا من أنه قد تم نشرها لتأمين العملية العسكرية في أفغانستان. إلا أن السياق تغير منذ ذلك الحين، إذ لم تعد الولايات المتحدة متحمسة ل«نشر الديمقراطية»، كما كانت عليه سابقا نظرا لانشغالها بقضايا أخرى. ويعد الشرق الأدنى منطقة متأزمة بقدر أكبر من ذلك، بما في ذلك نتيجة لفشل السياسة الأميركية. وفي هذه الأثناء تزداد ثقة بكين من نفسها، مما يثير قلق جاراتها والولايات المتحدة على حد سواء.

صحيفة «فيدوموست» الروسية