يشكّل عالم الغيب، من حيث صلته بعالمنا، عالم الشهادة، سيما في ما يتعلق بوجود الله والرسل واليوم الآخر، هماً أو هاجساً لدى الكثيرين، من الذين تشغلهم هذه القضية، أو الذين يريدون الوصول إلى أجوبة شافية في هذا الخصوص.

وفي معالجتي لمثل هذه المعضلة، أقول بأننا إزاء قضايا إيمانية، اعتقادية، ليست هي مسائل حسابية أو قضايا منطقية تُحسم بالمناقشة العقلانية أو بالحجة البيّنة والقاطعة. هذا ما يشهد به تاريخ السجالات، سواءً على جبهة الفلسفة أو على جبهة اللاهوت: لا سبيل للوصول إلى أجوبة حاسمة، في مجال الماورائيات والغيبيّات، إن سلباً أو إيجاباً، نفياً أو إثباتاً. فالعقل هو هنا محدود بأدواته ومناهجه.

والأهم من ذلك أن هذه الجدالات باتت أشبه بالملهاة لأنها تطمس المشكلة الأساسية، أعني كيف أن العقائد الدينية تترجم، على أرض الواقع المجتمعي، ليس لمصلحة مبادئ التعارف وقواعد التواصل والتبادل، بل بالعكس، إنها تشتغل بحسب منطق النفي. والشواهد ناطقة. فالأصل الإلهي الواحد، كما تمثل في الإيمان بخالق بارئ، لم يمنع الديانات التوحيدية الثلاث من أن تحيل اختلافاتها المشروعة، في التفسير والتأويل، إلى صدامات عقائدية وصراعات دموية أفضت في النهاية إلى المغايرة الكلية والقطيعة التامة، مما جعل العلاقات بينها تقوم على الإقصاء والعداء والبغضاء.

وهذا ما حدث، ماضياً، داخل الديانة الإسلامية، بين مذاهبها المختلفة، وما زال يحدث، حاضراً، سيما بعد تراجع شعارات الحداثة، وصعود الحركات الأصولية على المسرح. فكلمة الله الجامعة لم تعصم المسلمين عن التفرق والتمزق. والأصل الواحد والاسم الواحد والكتاب الواحد، لم يشكّل رادعاً لهم عن النزاع والاقتتال، مما يعني أن الخلاف حول مضامين العقائد الإيمانية بات أمراً ثانوياً، بعد كل هذه الحروب الإلهية بمآسيها وكوارثها. فالمهم الآن: كيف يترجم الواحد إيمانه في علاقته بنظرائه.

وأراني هنا أستحضر ما قاله الشاعر اللبناني رشيد سليم الخوري في مناسبة الاحتفال بذكرى المولد النبوي، في الخمسينات من القرن الفائت: «أنت أخي أآمنت بالله أم بالحجرِ». فليؤمن الواحد بما شاء، شرط أن يحسن ترجمة ذلك في ابتكار لغة جامعة أو تشكيل عالم مشترك أو بناء مساحة للتواصل والتبادل، خاصةً مع من هم شركاؤه في الوطن الواحد أو البلد الواحد أو العالم الواحد. ومما يؤسف له، أن ما يحصل اليوم، في العالم الإسلامي، على يد الأصوليات المذهبية، ينقض مبدأ التعارف ويدمّر أواصر التواصل.

إن الإخفاق الذي لاقته المشاريع الشمولية ذات المبدأ الواحد والاسم الواحد والبُعد الواحد والصوت الواحد، سواءً على جبهة العقائد الدينية أو على جبهة الأيديولوجيات الحديثة، يحملنا على إعادة النظر في طريقة إدارتنا للقضايا والشؤون أو للهويات والمصائر، بحيث نكسر لغة القبض والتحكم، بقدر ما نتحرّر من المنازع الطوباوية والمثالية، فيما يخص العلاقة بالأصل والمعنى والحقيقة.

من هنا تتراجع، اليوم، مفردات اليقين، والحتمية، والضرورة، لصالح مفردات أخرى مثل النسبية، القناعة، المداولة، الاستراتيجية، الرهان. فما ننتجه من معارف حول الواقع لا يرقى إلى مرتبة اليقين النهائي أو العلم الضروري. هذه كليشيهات خادعة تتصدّع على وقع التحولات والأزمات والصدمات. حتى في مجال العلم، ما عاد ممكناً الكلام على نظريات مطلقة أو يقينيات قاطعة. فالأمر يتعلق بنماذج للتفسير لها فاعليتها الإجرائية، قد تستهلك أو يظهر قصورها، مما يجعلها دوماً قيد المراجعة، إمّا لترميمها وتعديلها أو لتجاوزها واستبدالها بسواها. وهكذا ثمة تغيّر طرأ على تعاطينا مع مسألة «الحقيقة».

وفي ما يعنيني، فأنا صرتُ أستخدم مصطلح «القراءة» للتعبير عما استجد في هذا الخصوص، وكما أصوغ علاقتي بالمعاني والأفكار، ولمصطلح القراءة مزايا عدة من حيث مضامينه وأبعاده ومفاعيله، ومن غير وجه:

ـ الأول أنه يعيد الأمور إلى نصابها، بقدر ما هو عودة إلى الأشياء ذاتها، والى الواقع بتعقيداته الفائقة وصيرورته المتحولة. لذا فهو تأمل في المجريات أو تدبر للأزمات، وليس مجرد تحليق في سماء المتعاليات، ولا هو بحث عن مبدأ أحادي مطلق يدّعي تفسير كل شيء ولا يُفسّر شيئاً. إنه تحليل ما يحدث، أو تفكيك ما يستعصي على الفهم، سواءً تعلق الأمر بالوقائع والتجارب كالحرب والحب، أو بالنصوص والخطابات كالقصائد والروايات والفلسفات.

ـ الثاني أننا، إذ نعود مع مصطلح «القراءة»، إلى الوجود الحي النابض، والمعاش، فإننا نربط المعرفة بمادتها وأرضها وأبجديتها وعلاماتها وآياتها، فلا تعود مجرد فعل ذهني محض ينعقد في عقل مُفارق، بل تصبح فعلاً له سياقاته وبيئاته وشروط إمكانه، في اللغة ومؤسستها أو في الثقافة ونماذجها أو في النفس وأهوائها أو في الجسد وآلياته.

ـ الثالث إن ربط المعرفة باللغة يفتحها على المجال التداولي. لأنه إذا كانت المقولة أو الأطروحة تتجسّد في الخطابات والنصوص، فالخطاب هو ما يمكن انتشاره وتداوله. فلا شيء يصّح بذاته، إذ الشيء علاقته بسواه. بهذا المعنى ليست المقولات مجرد تماسكها الشكلي وإنما هي طاقتها على الانتشار والتداول، وقدرتها على الفعل والتأثير في العقول. لذا ليست الفكرة الحية قبضاً على الواقع، بقدر ما هي رهان على فهمه وتغييره، وعلى نحوٍ يُسهم في تغيير خريطة المعرفة وعلاقات القوة، سواء على مستوى حقل أو قطاع أو مجتمع، أو على المستوى العالمي.

ـ الرابع، أن التعامل مع الأفكار، بوصفها وقائع لغوية أو تشكيلات خطابية، يتيح كسر لغة الكليات المجردة والماهيات الثابتة والمطابقات الخاوية، للاشتغال بمنطق تعددي، عملاني، خرائطي، علائقي.

من هنا البعد الاستراتيجي لمصطلح القراءة. بمعنى أن من يقرأ المجريات، لا يبحث عن حقيقة مسبقة أو هوية ناجزة أو ثابتة، وإنما يحاول فهم ما يحدث بخلق وقائع تسهم في تغيير المشهد على مستوى من مستوياته.