في مقدمة علامات الاستفهام التي خلفتها انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي الأخيرة: هل باتت البلاد في حاجة إلى قيادة حقيقية غير دعائية أو إعلانية لانتشالها من تضاعيف أزماتها المتلاطمة في العقد الأخير وبعد أن قارب الجميع من اليقين بأن الرئيس أوباما في أفضل الأحوال صاحب دعوة يوتوبية وفي أسوئها ظاهرة صوتية ليس أكثر؟
يرى البعض في أميركا اليوم انه حان الوقت لكي تكرر أميركا تجربتها الناجحة وبامتياز مع حكم الجنرالات الذي عهدوا أخره في زمن أيزنهاور الرئيس التاريخي للولايات المتحدة الأميركية « 1953-1961»، وان الجنرال دافيد بترايوس ربما يكون هو رجل الساعة الذي تبحث عنه أميركا.
يعد الجنرال بترايوس نموذجاً فريداً من نماذج العسكرية الأميركية فقد ولد عام 1952 لأبوين مهاجرين من هولندا، كان أبوه قبطاناً بحرياً وعرف طريقه لاحقاً إلى المؤسسة العسكرية الأميركية وبرع فيها حتى انه جاء على رأس دفعته لدى تخرجه في كلية قيادة الجيش والقيادة العامة الأميركية عام 1983، وقد أثار بترايوس انتباه الشعب الأميركي على نطاق واسع بعدما نشرت مجلة النيويورك تايمز الأميركية الشهيرة صورته عام 2004، وتحتها سؤال: هل يمكن لهذا الرجل أن ينقذ الوجود الأميركي في العراق؟
والمعروف أن الأحزاب السياسية الأميركية وعلى وجه الخصوص الحزبان الرئيسيان الجمهوري والديمقراطي يتميزان باستخدام آليات صنع القائد السياسي عن طريق استخدام وتوظيف محفزات تطوير البنية الكاريزمية للقائد منذ وقت مبكر بما يتيح بشكل متدرج عملية تنميطه كبطل قومي في أوساط جماهير الحزب وبشكل يستحوذ من خلال الحضور الكاريزمي على إدراك الرأي العالم الأميركي، وفي هذا السياق تظهر جهود الجمهوريين لبلورة بترايوس كفارس للانتخابات القادمة.
غير أن بترايوس ينفي أن تكون له أي طموحات سياسية وقد أوضح سابقاً انه لايزال عضواً مسجلاً في قوائم الحزب الجمهوري إلا انه لم يصوت في أي من الانتخابات التي أجريت مؤخراً حرصاً منه على نفي أي صلة له بالسياسة فالهدف الوحيد الذي يبدي حماساً له هو نجاح تكتيكاته المتعلقة بمكافحة التمرد التي تم تطبيقها في العراق ويعمل الآن على تطبيقها في أفغانستان.
وفي كل الأحوال كما يجمع جمهور المراقبين الأميركيين لا يتوانى بترايوس عن الاستجابة لنداء الواجب الوطني. وفيما لو تحقق له الفوز بهاتين الحربين «العراق وأفغانستان» الأطول في تاريخ الحروب الخارجية للولايات المتحدة بصفته العقل المدبر لتكتيكات الفوز هذه، وطلب منه الأميركيون أن يتولى قيادة بلادهم فسوف يصعب عليه كثيرا عدم إعطاء إذن صاغية لذلك النداء.
هل هناك ما يمكن أن يفشل طموحات الجمهوريين في ترشيح بترايوس؟
في منتصف مارس آذار المنصرم قال بترايوس ان النزاع الإسرائيلي الفلسطيني يقوض المصالح الأميركية في الشرق الأوسط وسط الخلاف الدبلوماسي بين واشنطن وإسرائيل وأضاف في لجنة استماع في مجلس الشيوخ أن التوترات بين إسرائيل والفلسطينيين تمثل تحديات واضحة لقدرتنا على دفع مصالحنا في المنطقة و«ان النزاع يزيد من المشاعر المعادية للولايات المتحدة بسبب فكرة محاباة الولايات المتحدة لإسرائيل».
إلى أن «الغضب العربي بسبب القضية الفلسطينية يحد من قوة وعمق الشراكات الأميركية مع الحكومات والشعوب في المنطقة ويضعف شرعية الأنظمة المعتدلة في العالم العربي».
وأكد بترايوس كذلك على أن التنظيمات المعادية لأميركا «تستغل الغضب العربي بشان هذه المسألة» وان النزاع يعطي إيران نفوذاً في العالم العربي من خلال عملائها في المنطقة على حد تعبيره.
هل هذه الرؤية ترضي أصحاب اللوبي الإسرائيلي هناك؟
بلا شك، لا بل وتزعجهم من شخص بترايوس ويمكن أن تقف حداً وسداً يحول دون فكرة ترشحه للرئاسة عن الجمهوريين بعد عامين، لكن وبحسب البرجماتية السياسية الأميركية المعهودة ربما يغير بترايوس لاحقاً من آرائه ليدرك فرصة لا تفوت.
وبترايوس لا يتجاوز من العمر السابعة والخمسين وهو من الشباب بما يكفي لتشجيعه على الدخول إلى حلبة العمل السياسي خاصة وان الكثير من الطلاب الذي يستمعون إلى محاضراته وشرحه لإستراتيجية المتعلقة بمكافحة التمرد سوف يكونون قد بلغوا السن القانونية للتصويت لصالحه عندما يحل موعد السباق الرئاسي عام 2012.
وهناك أمر أخر تلفت إليه عدة تقارير وهو أن المستقبل حول العالم عادة وفي الولايات المتحدة الأميركية خاصة ليس سياسيا بل عسكريا لان هناك ملامح للأحلاف العسكرية في العالم وهناك ملامح لبروز قوى جديدة في العالم لتزاحم أميركا جدا، وبالتالي لابد من وجود رجل عسكري ومعه خبراء في السياسة الدولية يتمكن من معرفة أبعاد القرارات العسكرية، وكيفية نقل القوات على رقعة الشطرنج العالمية خصوصا وان الجنرال بترايوس هو من اشرف على تأسيس الشرق الأوسط الجديد والذي لم يكتمل بعد لذا لابد من وجوده لكي يكمل المرحلة الثانية من هذا المشروع.
هل باتت أميركا على موعد مع جنرال آخر؟ قد يكون ذلك اقرب إلى الحقيقة وبخاصة إذا اخفق الجمهوريون في تقديم وجه سياسي لامع للانتخابات الرئاسية القادمة وهو ما يبدو انه لا يتوافر لديهم حتى الساعة فمن نيوت جينجريتش مروراً بسارة بالين وصولاً إلى مايك هاكابي يظل بترايوس جواد الجمهوريين الرابح.
كاتب مصري