لا يخفى على أحد أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد قطعت مشواراً طويلاً في مسيرة التنمية البشرية نالت من خلاله شرف الإشادة الدولية من مختلف الجهات ومن ضمنها الأمم المتحدة التي استطاعت دولة الإمارات أن تتسلق سلم مؤشرها حول التنمية البشرية الذي يشرف عليه برنامجها الإنمائي لمراتب متقدمة فيه. فمن أفقر مناطق العالم إلى أغناها في ظل عقود قليلة لا تُعد في العادة ولا تحسب في ميزان عمر الدول.

اليوم تحتل الإمارات مرتبة التقدم ما بين الدول العربية جميعها في دليل التنمية البشرية، حيث تُصنف دولتنا من بين الدول ذات التنمية البشرية العالية جداً، وهو ما يكتب لقيادتها التي نجحت نجاحاً باهراً في النهوض بالدولة إلى مصاف الدول المتقدمة في مجال التنمية البشرية.

وإذ نقف اليوم على أعتاب دخول عقدنا الرابع على نشأة دولة الإمارات العربية المتحدة فإننا نقف تحية إجلال وإكبار للقادة الأوفياء الذين عملوا بكل جهد وسخاء من أجل الوصول بالإمارات وشعبها إلى مصاف الدول المتقدمة في مجال تنميتها البشرية. ورغم أن الطريق كان صعباً أمامهم إلا أنه لم يكن في أعينهم مستحيلاً على الإطلاق.

التنمية البشرية هي العنصر الأهم في ميزان تطور الدول حيث تشمل مستوى المعيشة الاقتصادية للأفراد، وتشمل مستوى الخدمات التعليمية والصحية المقدمة والمتوفرة لهم، وتتضمن أيضاً درجة المساواة بين الجنسين والحرية السياسية التي يعيشها أفراد الشعب. فتوفر مثل هذه العناصر بدرجة متقدمة يجعل الدولة أكثر تقدماً وشعبها أكثر تحضراً.

ودولة الإمارات تجعل هذا الأمر نصب عينها، إلا أن التقدم في مراتب التنمية البشرية من المرتبة التي نحن فيها اليوم لن يكون سهلاً وإنما بحاجة إلى تكاتف الجهود في تخطيط مشترك نحو رفع مكانة الإمارات في مجال مؤشر دليل التنمية البشرية العالمي.

فلا يمكن الاكتفاء بما نقوم به اليوم من جهود وما نقدمه من خدمات ونقول اننا قادرين على أن نصل إلى أعلى مراتب دليل التنمية البشرية، بل أن العمل يتطلب أن يكون لدينا هدف واضح يتمثل في الإجابة على الأسئلة التالية:

أين نريد أن نصل بمستوى التنمية البشرية لدينا؟ هل نريدها أن تبقى في مكانتها المتقدمة التي هي عليها اليوم وهي الترتيب الثاني والثلاثين عالمياً في مؤشر دليل التنمية البشرية؟ أم نريد أن نتقدم بها إلى الأمام؟

وإذا أردنا التقدم فما هي نسبة التقدم المطلوبة بين كل فترة وأخرى؟ هل نريد التقدم ما بين مرتبة إلى خمس مراتب في ظل الخمس سنوات القادمة؟

أم التقدم إلى مرتبة العشر الأوائل في التصنيف العالمي وفي فترة الخمس عشرة سنة القادمة؟ إذا حددنا هدفنا وجعلناه هو الهدف المرجو تحقيقه عندها نبدأ في إيجاد الجهود المشتركة والتخطيط والتنسيق المشترك بين مختلف الجهات من أجل الوصول إلى ذلك الهدف في الفترة الزمنية التي قمنا بتحديدها.

فلا يكفي أ ن نحدد هدفنا ونترك الجهود مبعثرة في تنفيذ هذا الهدف، ولا يمكن أن نحدد الهدف ونتركه من دون تخطيط وتنسيق يتماشى مع الهدف المرجو تحقيقه.

لذلك ومع أهمية التنمية البشرية في حياة الشعوب ومستقبل الدول فإن تحديد الهدف والتخطيط له من المفترض أن يكون من جهة مختلفة عن الجهة المنفذة، حيث ان المنفذ إذا ما كان هو المخطط فإن تنفيذه لن يكون بحجم المسؤولية ولا الشفافية التي يمكن أن تكون عليه في حالة أن المخطط هي جهة أخرى تكون مسؤوليتها ضمان التنفيذ السليم لما وضعته من خطط وتتولى عملية المراقبة والمحاسبة في التنفيذ.

لذلك فإن أهمية التنمية البشرية تتطلب منا إيجاد جهة تتولى هذه المسؤولية وتكون بحجم وقدر هذه المهمة الكبرى، وفي دولة الإمارات فإن الدستور قد حسم هذا الأمر لصالح المجلس الأعلى للاتحاد الذي يتولى مهمة رسم السياسة العليا للدولة.

ولكن المجلس الأعلى بحاجة إلى من يساعده في التخطيط ويكون مختلف عن الجهة المنفذة، لذلك تأتي فكرة إنشاء على سبيل المثال مجالس عليا لعناصر التنمية البشرية الأساسية كمجلس أعلى للتعليم ومجلس أعلى للصحة ومجلس أعلى للاقتصاد ومجلس أعلى لضمان الحقوق والحريات.

فهذه المجالس تكون بمثابة الجهة الاستشارية التابعة للمجلس الأعلى للاتحاد الذي تُسهل له مهمته في رسم السياسة العليا للدولة من خلال تقديم المشورة المتخصصة في تلك المجالات التي يوجه بها المجلس الأعلى للاتحاد الحكومة الاتحادية بتنفيذها.

وتكون نصب أعين هذه المجالس رفع مستوى الخدمات المقدمة في مجال التنمية البشرية والعمل على مراقبة أداء الجهات المنفذة للتوجيهات والقرارات الصادرة في هذا المجال من المجلس الأعلى للاتحاد.

إن البقاء في ذات الترتيب العالمي في مجال التنمية البشرية ليس بالأمر الهين، والأصعب من ذلك هو الصعود في ذلك الترتيب. ولعل دول العالم بحاجة إلى أن تنظر بعين الاهتمام لما يحدث في النرويج ذلك البلد الذي استطاع خلال السنوات العشر الماضية من البقاء في الصدارة على عرش الترتيب العالمي في مؤشر التنمية البشرية لثماني سنوات، وهو إنجاز من المفترض أن ننظر إليه باهتمام شديد ومحاولة أخذ الدروس منه، فهو ومن دون شك أفضل ممارسة في مجال التنمية البشرية يشهدها العالم خلال العقد الأخير.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com