رغم مرور عقدين من الزمان على انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي الاشتراكي، إلا أن العلاقات الروسية ـ الأميركية مازالت تخيم عليها سحب وغيوم الحرب الباردة، وتخلو بشكل كبير من عنصر الثقة المتبادلة، هذا على الرغم من أن موسكو أبدت استعدادها التام لتغيير سياساتها تجاه واشنطن في عهد ميخائيل غورباتشوف آخر الزعماء السوفييت، الذي اعتقد بعد لقائه بالرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان في نوفمبر عام 1985 أنه وضع حداً للحرب الباردة والمواجهة الأيديولوجية بين المعسكرين.
كان الاتحاد السوفييتي متقدما من ناحية الأسلحة التقليدية في أوروبا في منتصف الثمانينات، مما كان يثير قلق الولايات المتحدة وحلف الناتو بشكل دائم، ليسعيا لتعويض ذلك بزيادة المكون النووي.
ومن جانبها كانت موسكو تتقدم بمبادرات لتقليص الأسلحة النووية، نظراً لثقتها من قواتها غير النووية. كان هذا التوجه قائماً قبل تولي غورباتشوف زمام السلطة، ولكنه تجسد في فترة حكمه في مبادرة عام 1986 الخاصة بنزع الترسانة النووية بالكامل بحلول عام 2000.
وبحث الرئيسان غورباتشوف وريغان هذه المبادرة خلال لقائهما التالي في ريكيافيك في خريف 1986، حيث اقترب الجانبان من الاتفاق، كما يعتقد، قبل أن يفشلا في اللحظة الأخيرة. وكان الاتحاد السوفييتي يواجه تحديات مالية متنامية، مما دفعه إلى السعي لتقليص النفقات، بما في ذلك في سباق التسلح.
الآن بعد مرور 25 عاماً يأتي مشروع منظومة الدرع الصاروخية الأميركية امتداداً لمبادرة ريغان الدفاعية الاستراتيجية، ليبقى موضع الجدل حول العلاقات الروسية والأميركية.
وليس من الواضح أيضاً، هل تغلب على الجدل اللعبة السياسية أم نوايا حقيقية. وتعقد مراراً مفاوضات حول تقليص الذخائر النووية والرؤوس المدمرة. ولكن الوضع الآن أصبح على عكس ما كان عليه سابقاً.
حيث يسمح التفوق الأميركي من ناحية الأسلحة التقليدية للولايات المتحدة بالدعوة إلى «إخلاء العالم من الأسلحة النووية»، ليحل باراك أوباما محل ميخائيل غورباتشوف، وعلى عكس ذلك ترى روسيا في قدراتها النووية ضمانة لسيادتها ومكانتها في الساحة الدولية.
حيث من الخطر أن تعتمد على القوات التقليدية في الظروف الحالية، ولا تتحمس موسكو لشعارات واشنطن المنمقة حول المضي قدماً نحو عالم خالٍ من الأسلحة النووية، رغم أنها تؤيدها شكلاً إلا أن هناك اختلافاً جوهرياً.
العلاقات بين موسكو وواشنطن كانت تمثل محور السياسة الدولية وتحدد بشكل أساسي سلوك الدول المؤثرة الأخرى، ورغم أن روسيا والولايات المتحدة لا تزالان اليوم قوتين نوويتين كبريين، فإن قضايا الاستقرار الاستراتيجي تثير بشكل أساسي اهتمام الخبراء وليس في جميع الدول، ولم يعد خطر التصادم النووي بين القوتين يعتبر واقعياً. ولا تأتي قضية نسبة تقليص ترسانتيهما النوويتين في مقدمة اهتمامات المجتمع الدولي، خاصة أن هذين البلدين لم يعودا يتحكمان في العالم.
لقد وضع تفكك الاتحاد السوفييتي نهاية لأطماع الكرملين في الهيمنة العالمية، ولكنه أثر في الولايات المتحدة أيضاً، سعد الجميع في الغرب في بداية التسعينات لإمكانية توفير المبالغ الطائلة التي كان يتم إنفاقها لمواجهة الكتلة السوفييتية وتخصيصها لأغراض أخرى.
ولكن بعد مرور 15 سنة أخرى وجدت الولايات المتحدة نفسها على حافة الإفلاس، بما في ذلك نتيجة لارتفاع نفقاتها العسكرية إلى معدلات غير مسبوقة، وحدث هذا لأسباب سياسية بحتة في غياب عدو يجوز مقارنته بالاتحاد السوفييتي لتبرير هذه النفقات، وكانت تتم زيادة العضلات السياسية لتتناسب مع مهمة الحكم العالمي التي وضعتها واشنطن على عاتقها بنفسها ولم تنجح فيها.
ونتيجة لذلك، فإن هناك تناقضاً تلو الآخر. فمن ناحية، اقتنعت أميركا ب«عجز القوة» بعد فشلها في تحقيق النصر في إحدى دول العالم الأكثر تخلفاً أفغانستان.
ومن ناحية أخرى، اعترف رئيس الأركان الأميركي الأميرال مايكل مالين منذ بضعة أشهر بأن الخطر الرئيسي على الولايات المتحدة هو الدين العام، وليس تنظيم «القاعدة» أو الصين. ويعد إدلاء مسؤول عسكري رفيع بمثل هذا التصريح، بدلاً من التأكيد على أنه لا يجوز تقليص النفقات، كالمعتاد، دليلاً على أن القضية بالغة الخطورة.
على الرغم من كل التغييرات الجذرية التي طرأت بالساحة الدولية، فإن العلاقات الروسية الأميركية تتميز بنوع من قوة الاستمرار. ويجوز تعليل ذلك جزئياً بالردع النووي الذي يمثل قاعدتهما المادية والتقنية، وسيظل الأمر كذلك طالما يحوز الجانبان ترسانتين بهذا الحجم.
ويعد التخلي عن الترسانتين بمثابة المخاطرة بتراجع حاد لمكانتهما في العالم وزيادة الخطر على الأمن، ويمثل ذلك دائرة مغلقة، رغم أن الهدف الأصلي الذي كان يتم تكوين الترسانتين من أجله لم يعد ملحاً منذ زمن طويل، ومازالت روسيا تستعد عقلياً لخوض حرب مع حلف الناتو، رغم أن هذا الأخير يعيش حالة الارتباك على خلفية التتابع السريع للمخاطر الحقيقية،.
وتثير أية محاولة لوضع علامة استفهام حول ثابتة فكرية وسياسية (ولو بشيء من التواضع، كما أقدم عليها أوباما) مقاومة شرسة في الولايات المتحدة، ومع عودة الجمهوريين قد ننتظر موجة جديدة للخطاب حول الريادة الأميركية والتفوق المعنوي. ولكن يبدو لسبب ما أن ذلك لن يدوم طويلاً.
يرغم واقع القرن الـ 21 حتى المحافظين الأكثر تشدداً على إعادة النظر في منظومة الأولويات للتصدي للتحديات الجديدة تماماً، وسيتيح ذلك لروسيا وأميركا في نهاية المطاف فرصة للنظر إلى بعضهما البعض عبر عدسات مختلفة.
كاتب أوكراني