مرة أخرى تعود دولة الإمارات إلي الصدارة ولكن هذه المرة ليس لانجاز غير مسبوق حققته أو لحقل من الحقول تفوقت فيه أو صرحا شيدته وإنما لتصدرها المركز الثالث على مستوى دول العالم في نسبة الوافدين إلى المواطنين.

فكأننا نحتاج كل يوم وعلى الدوام للتذكير بمعضلة التركيبة السكانية والهوية الوطنية وبطالة الشباب المواطن وارتفاع نسبة الجريمة وكافة القضايا الأخرى وارتباط كل ذلك بمعضلة التركيبة السكانية. بل أننا أصبحنا كل يوم نكتشف قضايا جديدة لها علاقة وارتباط مباشر سواء نفسي أو اجتماعي بقضية التركيبة السكانية.

في حديث مع أحد الشباب والذي لم يمض على تخرجه وعمله العشر سنوات قال إنه يتوق للتقاعد المبكر، وأنه يفكر حاليا في التخطيط لحياته بعد تقاعده. استغربت لهذا التفكير أن يصدر من أحد الشباب الواعدين، فسألته ولماذا تفكر في التقاعد المبكر وأنت لا تزال في ريعان الشباب ولم يمض على عملك وخدمتك لبلدك سوى فترة بسيطة.

وجاءني رده السريع والذي يعكس قلق جيله وتخوف أمثاله من الشباب من المستقبل وما يحمله. «كان طموحي عاليا عند تخرجي ثم التحاقي بالعمل، فهو في مجال تخصصي والمجال الذي أحببته .

صادفتني عقبات في بداية طريقي منها قلة خبرتي وعدم وجود التدريب الكافي لكنني تغلبت عليها، لم أترك وسيلة لإثبات ذاتي إلا وبذلتها، ولم أترك دورة تدريبية إلا والتحقت بها رغبة في اكتساب المزيد من الخبرات.

شاركت في كل البرامج التعليمية واستفدت منها، تعلمت اللغة الانجليزية لأنها لغة العصر ولأن كل شباب جيلي وقوة العمل تتقنها، ولكني لا أزال في مكاني سر. كلما خلا شاغر وظيفي أعلى من درجتي تم ملؤه أحيانا بمن هو أقل مني وأحيانا كثيرة بشخص أجنبي.

وأصبحت مصطلحات مثل التوطين والتعريب مجرد شعارات ومصطلحات لا تعني لي شيئا. أصبت بالإحباط، فلا أمل هنالك لأمثالي من الشباب ولا قدرة لنا على المنافسة الشرسة في سوق العمل لذا فالتقاعد الآن أفضل من الاستمرار في وسط أعرف نهايته».

كان يتحدث والمرارة تقطر من كلماته وعلى الرغم من عدم قدرتي على إيجاد المعاذير له ألا أنني اخترعت له المعاذير لسببين: الأول أنه جزء من المعضلة التي تواجه مجتمعات الخليج الجديدة، والثاني أننا كمجتمع وجيل أكبر نتحمل جزءا من المسؤولية وبالتالي الحال الذي وصل إليه هذا الشاب اليائس وأمثاله فأصبح يتحدث كأنه شخص معمر مضى على تخرجه وعمله دهور وليس سنوات .

هذا الشاب يعكس صورة جديدة من الصور الاجتماعية التي تواجه مجتمعات الخليج الحديثة. فهذه المجتمعات على الرغم من فرص العمل التي توفرها لملايين البشر سنويا إلا أنها تعجز أحيانا عن توفير فرصة عمل لأبنائها بسبب قلة التدريب أو عدم موائمة فرص العمل لميول واتجاهات الشباب الجديدة أو تفضيل العنصر الأجنبي على المواطن أحيانا، أو حتى لغياب السلوكيات الوظيفية المناسبة من قبل الموظف أحيانا وصاحب العمل أحيانا كثيرة.

فالعامل أو الموظف خاصة في بداية عمله يحتاج ليس فقط إلى الخبرة والتدريب ولكن إلى النضج الكافي الذي يمكنه من الاستمرار في العمل والتعامل مع الضغوط والصعوبات المهنية والتكيف مع بيئة العمل الجديدة.

فليس كل من تخرج وحصل على وظيفة يمكنه التعامل معها بكل سلاسة أو التكيف معها بكل يسر. فهناك شباب يفتقرون إلي النضج الوظيفي وبالتالي يظلون يتنقلون من وظيفة إلي أخرى لا يعرفون طعم الاستقرار الوظيفي حتى النهاية.

وهناك من يظل يفتقر إلي الخبرة اللازمة والنضج الكافي لأنه كلف مبكرا بمسؤوليات أكبر بكثير من سني عمره، وبالتالي لا يستطيع أن يتعامل مع الوظيفة تعاملا كافيا، أو حتى يصاب بالغرور لأنه يعتقد أنه قادرا على الوصول السريع وتسلق السلم بكل سهولة. أمثال هؤلاء كثيرون بيننا وهم أجل أو عاجلا سوف يتوقون للتقاعد المبكر الذي يفسح لهم المجال للممارسة ما فاتهم من ملذات الحياة.

هؤلاء يرى فيهم رب العمل أناس يجب تجنبهم لأنهم لن يكونوا في مصلحة العمل. فرب العمل، سواء كان مواطنا أو وافدا، يضع في قائمة أولوياته مصلحة العمل وبالتالي فإن الموظف بالنسبة له هو استثمار طويل الأجل، فهو بالتأكيد لا يريد موظفا يأتي اليوم ويتلقى التدريب لكي يترك بعد شهور منتقلا إلى وظيفة أخرى تمنحه راتبا أعلى، لأنه بذلك يكون الخاسر الأكبر.

لذا فهو يحرص على انتقاء وتعيين إما الشخص الذي يضمن استمراريته في العمل لفترة طويلة وأما الشخص المسن ذو الخبرة لأنه لن يكلفه تدريب وتأهيل. وكلا الخيارين لن يكون لصالح الشباب المواطن.

والسبب الثاني أننا نزود الجيل الجديد بكثير من السلوكيات المجتمعية ولكننا أحيانا نعجز عن تزوديهم بالسلوكيات الوظيفية المناسبة التي تساعدهم على الاستمرار في بيئة العمل والتكيف مع الضغوطات المهنية والتعامل مع صعوبات المهن والمنافسة مع الآخر بدءا من قاعدة الهرم وليس من رأسه، وبالتالي يتخرج جيل يعتقد بأنه قادر على الوصول الى هدفه بكل يسر وسهولة، ناسيا أن أباءه وأجداده قد بذلوا جهودا جبارة لبناء مستقبلهم وأنهم مثلهم، وعانوا في سبيل بناء حياتهم.

لكننا أيضا لا نضع كل اللوم على الشباب لأننا بالفعل نواجه سوق عمل يتغير كل يوم ومتطلبات جديدة توضع كل صباح، لذا أصبح المواطن ككل وليس فقط المواطن الشاب يجد صعوبة في الاستمرار في عمله ولا يفكر الا في التقاعد كمخرج له خاصة عندما يجد نفسه في منافسة غير متكافئة مع وافد أقل منه خبرة وتأهيل وتكون المنافسة لصالح الأخير. ولذا فلن نستغرب وجود هذا العدد الكبير من المواطنين الذين يفكرون في التقاعد المبكر.

إن ما يحدث في مجتمعنا يحدث أيضا في مجتمعات الخليج الأخرى التي تواجه في هذه الأيام نفس القضايا ونفس الهموم المجتمعية، ولذا فنحن في هذا الهم سواء ولكن في الإمارات همنا أكبر لأنه مرتبط بقضية البقاء.

جامعة الإمارات

atimaalsaayegh@hotmail.com