منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكل الاتفاقات والبروتوكولات الدولية التي جعلت هذه القضية موضع اهتمامها الأول، ومنذ العقود الطويلة التي بدت فيها حقوق الإنسان كضحية أساسية في حروب القوى الكبرى وغزواتها واعتداءاتها على دول العالم هنا وهناك, تحولت هذه القضية إلى شعار سياسي ومقولة سياسية تستخدمهما أنظمة سياسية لدول تتفوق بالقدرة الإعلامية والمالية والسياسية والعسكرية إلى أعلى حدود التفوق على الآخرين للضغط على الدول الأخرى، وعلى الشعوب التي تقف بوجه سياسات الهيمنة والغطرسة الأميركية والغربية بوجه عام.

وفي خضم ذلك كله يتجاهل العالم، الذي يزعم الحضارة والتحضر، كل مشاهد العنف وانتهاك حقوق الإنسان وعمليات القتل والإبادة الجماعية والاعتداء على الممتلكات والأعراض في العراق وأفغانستان وفلسطين المحتلة وغوانتانامو, وعشرات المعتقلات السرية المنتشرة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. ‏

ومن المثير للسخرية أن منظمة الأمم المتحدة المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، تبدو وكأنها لم تستمع ولم تأخذ علماً بكل ذلك، وأن المحكمة الجنائية الدولية بدورها بدت وكأنها غير مستعدة للسمع والمشاهدة عندما نشرت مئات آلاف الوثائق التي تدين جيوش الاحتلال في العراق, في جرائم لم تعرفها البشرية من قبل.. ‏

وبالطبع يحدث ذلك كله في ظل زعم أميركي وأوروبي تحمله أدوات إعلامية متنوعة وتحرك سياسي واسع النطاق لتزييف وتزوير اتجاه بوصلة الاتهام الحقيقية, فبدلاً من أن يدان الغرب وإسرائيل من قبل الأمم المتحدة والعالم على جرائمهم وانتهاكاتهم لحقوق الإنسان، توجّه الاتهامات إلى ضحايا هذه الانتهاكات في معادلة لا يمكن تفسيرها إلاّ بقولنا: إن العالم والعلاقات الدولية فيه والتعاون الدولي الذي تمثل الأمم المتحدة رأس الهرم فيه يعيش نوعاً من الهذيان والعبث السياسي والقانوني, وإن السياسات التي تقف خلف هذا الهذيان تهدف واقعياً إلى مزيد من التعقيد في العلاقات الدولية من جهة, وفي التناقضات العميقة التي يعيشها العالم من جهة أخرى، فاختلطت المفاهيم كما لم تختلط من قبل, ولم تعد المصطلحات تدل على مضامينها الحقيقية, فأصبح الإرهاب دفاعاً عن النفس, والمقاومة إرهاباً, والسجّان أسيراً, والمناضل مجرماً والكاذب صادقاً, والصادق كاذباً. ‏

في ظل كل ذلك يحتاج العالم أكثر من أي وقت مضى إلى خارطة طريق لاستعادة القيم الحقيقية من جهة, والدلالات الحقيقية للمصطلحات من جهة أخرى, ولإعادة الاعتبار أولاً وأخيراً للأمم المتحدة ومواثيقها وبروتوكولاتها وإعلاناتها، وأول ما يحتاجه العالم هو أن يدل بوضوح على أولئك الذين ينتهكون حقوق الإنسان فعلاً, وتحتضر بسببهم وعلى أيديهم فعلياً هذه الحقوق, فعذراً.. حقوق الإنسان.‏