لا يزال يتناهى إلى سمعي القول بأن السبيل الوحيد لتوفير الوظائف مرة أخرى هو قبول المزيد من الأميركيين العمل بأجور أقل. ومن وجهة النظر هذه، فقد أصبح عدد كبير من الأميركيين غير قادرين على المنافسة في إطار الاقتصاد العالمي. وهذا يعني بطالة مرتفعة بشكل دائم، إذا لم، أو إلى أن، تنحدر دخول الأميركيين إلى مستوى يجعلنا أكثر قدرة على المنافسة.
هذا هراء. فهذا مجرد إحلال مشكلة، هي الأجر المنخفض، محل مشكلة أخرى، هي البطالة.
إن إيجاد الكثير من فرص العمل من خلال التحول إلى الحال الأكثر فقراً ليس إنجازاً عظيماً. فلو أجبرنا الجميع ممن يحتاجون إلى فرصة عمل على تقاضي دولارين فقط في اليوم كأجر، فقد استطعنا بذلك خفض معدل البطالة في أميركا بمقدار النصف من الغد. وهذا هو معدل الأجور في الكثير من الدول النامية، بما في ذلك الصين.
ووفقاً لتقرير وزارة التجارة الأميركية الذي صدر حديثاً، فإن معدل الدخول في الولايات المتحدة ارتفع بنسبة نصف في المئة خلال أغسطس الماضي، وهي القفزة الأكبر منذ سبتمبر 2009. ولكن هذا المعدل يشمل الدخل الإضافي الذي تحقق نتيجة التوسع في نطاق استحقاقات البطالة. وفي الواقع، لم يرتفع الراتب على الإطلاق.
وهذا أمر يثير الأسى. فقد انحدرت الدخول إلى هوة عميقة للغاية العام الماضي، بحيث أن الزيادة الطفيفة في الدخل لا تزال غير كافية للخروج من الهوة.
منذ بداية الكساد الكبير، كان الملايين من الأميركيين العاملين يتعين عليهم القبول بأجور أكثر انخفاضاً من أجل الاحتفاظ بوظائفهم. (وهنا في جامعة كاليفورنيا، يطلق على خفض الأجور «تسريحات مؤقتة»).
أو أنهم فقدوا الوظائف ذات الأجر الأعلى، ويمكنهم فقط العثور على عمل أقل أجراً. أو أنهم قد فقدوا ميزاتهم. أو أن مصروفات التأمين والمستقطعات وأقساط التأمين قد ارتفعت. ولم يعد صاحب العمل يتلاءم مع القانون الخاص بالتقاعد.
وتعد عقود الأجر ذات المستويين أحدث طريقة رائجة في علاقات العمل. فكبار السن من العمال يبقون على أجرهم السابق، أما من يتم تعيينهم حديثا فيحصلون على أجور أدنى وميزات أقل.
بل إن تجميد الأجور يتحول بمرور الوقت إلى أجر أقل، لأنه يتآكل بفعل التضخم. وعلى مدار ثلاثة عقود يتزحزح الأجر المتوسط في أميركا، ولم يتم تعديله لمراعاة التضخم إلا بالكاد.
هل أدركتم ذلك؟ إن الغاية ليست مجرد توفير المزيد من فرص العمل. بل المزيد من فرص العمل التي تدفع ما يكفي لتحسين مستويات معيشتنا.
يقول البعض إننا يمكننا إيجاد المزيد من الوظائف من خلال الحث على المزيد من التراجع للدولار. انتبهوا إلى محافظ نقودكم. فهذه هي صيغة أخرى من مرحلة إيجاد فرص العمل من خلال التحول إلى الحال الأكثر فقرا.
واشنطن تتابع بنشاط جعل ضعف الدولار سياسة لفرص عمل. (انخفض الدولار، أخيراً، إلى أدنى مستوى له منذ ستة أشهر مقابل اليورو).
ويبقي مجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي على أسعار الفائدة الطويلة الأجل منخفضة، للغاية بحيث أن المستثمرين العالميين من ذوي المحافظ المنخفضة يتجهون إلى وسائط أخرى للحصول على عائدات مرتفعة، مما يودي بالدولار إلى مستوى أقل. وفي كل مرة يلمح مسؤول آخر في مجلس الاحتياط الفيدرالي إلى ذلك، يبادر المجلس بمضاعفة طباعة المزيد من النقود (أو «التخفيف الكمي»، على حد تعبير المجلس)، يتعرض الدولار إلى تراجع آخر.
ولكن لن يساعد استخدام دولار ضعيف في إيجاد فرص العمل للأميركيين. وتبلغ نسبة الواردات نحو 18% من اقتصاد الولايات المتحدة، لذا فإن الدولار الآخذ في الانخفاض هو بالضبط يشبه ضريبة إضافية تفرض على 18% مما نشتريه.
إن المشكلة الحقيقية ليست في أن الأميركيين أصبحوا غير قادرين على المنافسة. فبعض الأميركيين يقومون بأعمال فوق العادة. وفي الواقع، فإن بيانات التعداد السكاني الجديدة تظهر أن فئة ذوي الدخل الأعلى في الولايات المتحدة تحسن أداؤهم بشكل أفضل من أي وقت مضى. وكبار التنفيذيين في الشركات الكبرى وفي وول ستريت يحصدون المزيد من المال، ولا يعرفون ماذا يفعلون به.
والمشكلة تكمن في أن من يتربعون على القمة ليس لديهم الاستعداد للاستثمار في القدرة التنافسية لباقي أفراد المجتمع. وبدلاً من اعتبار العمال العاديين أصولاً يتعين تطويرها، فإنهم يعتبرونهم بمثابة أعباء يجب خفضها. بدلاً من دفع الضرائب لدعم التعليم العام من الدرجة الأولى، فإن عدداً كبيراً من أصحاب الدخول المرتفعة يخبئون دخولهم ويضغطون من أجل خفض الضرائب.
إن حل المشكلات الحقيقية للوظائف الأميركية ليس من خلال المزيد من خفض الأجور. وإنما الحل يكمن في توفير وظائف أفضل وأجور أفضل. ومن أجل تحقيق ذلك، ينبغي على الأقلية من الأميركيين الذين يحققون نجاحاً في هذا الاقتصاد العالمي الجديد أن يساعدوا الغالبية التي لم توفق.
وزير العمل الأميركي الأسبق
