لا تمنُّ إسرائيلُ في شيءٍ على لبنان، عندما تُعلن قرارَها الانسحابَ من شمالي بلدة الغجر، فتضحياتُ اللبنانيين وبطولاتهم من أجلِ تحرير أراضيهم التي كانت محتلةً مشهودةٌ، ويعرفُ الجيش الإسرائيلي ما أصابه منها في ضرباتٍ موجعة، أجبرته قبل عشرِ سنوات على الجلاءِ من قريً وبلداتٍ في الجنوب عانت طويلاً من الاحتلال البغيض.

وما يحسُنُ أن لا يغيبَ عن البال أن ذلك الجلاء ما زال منقوصاً، بسبب الاستباحاتِ المتكررة التي ترتكبها طائراتُ الاستطلاع الإسرائيلية لأجواءِ لبنان، وبشكلٍ يكادُ يكون يومياً، من دون أن يحملَ هذا الاعتداءُ الولايات المتحدة وفرنسا وغيرَهما على الإدانةِ الواجبة له، والعملِ على وقفه، فيما تطنبُ واشنطن وباريس (مثلا) في الحديثِ عن حرصِهما على استقلالِ لبنان وسيادتِه وحريته.

ولم يفضح الرئيس الأميركي السابق جورج بوش جديداً في مذكراتِه الصادرةِ أخيراً، لما أورد فيها أنه عملَ من أجل إطالةِ الحربِ الإسرائيليةِ العدوانيةِ على لبنان في صيف 2006.

وهي الحربُ التي استشهدَ فيها مئاتُ الأبرياءِ في مذابحَ مريعة، واستهدفَ القصفُ الإسرائيليُّ المحمومُ في أثنائها عدة مرافقَ وبنياتٍ تحتيةٍ في هذا البلد العربي الذي يظلُّ عنوانَ الانفتاحِ والتعدّدِ والسلامِ والأمل.

الانسحابُ من كلِّ الغجر التي غالبت الاحتلال الإسرائيليَّ عقوداً استحقاقٌ على الدولةِ العبريةِ أنْ تؤديه، مع الكفِّ عن خروقِها للأراضي والأجواء اللبنانية، والإقلاعِ عن التهديدِ والوعيدِ اللذين تواصلهما الأوساطُ العسكرية والسياسية والإعلامية الإسرائيلية ضد لبنان، بالتلويحِ بشنِّ حروبٍ واعتداءاتٍ شنيعةٍ عليه، بذرائعَ مختلقةٍ تبحثُ عن تغطياتٍ دوليةٍ لها. وإلى هذا كله، ثمّة خرائطُ الألغامِ القاتلةِ التي زرعها الجيشُ الإسرائيليُّ في أراضي الجنوب، ولا يزالُ مطلوباً أن تتسلمها الدولةُ اللبنانية.

التربصُّ الإسرائيليُّ بلبنان مستمرٌ، وإنْ قرّرت الحكومةُ العنصريةُ في تل أبيب الجلاءَ عن شمالي الغجر، ولأنَّ الحالَ على هذا الوضوح، فالمؤَملُ دائماً أنْ تكونَ الطبقةُ السياسية اللبنانية، بمختلفِ أوزانِها وتنوّعِ الفاعلين فيها على المستوى الواجبِ من النضجِ في التعامل مع هذا المعطى.

وذلك بالبحثِ الدائمِ عن القواسمِ والمشتركاتِ فيما بينها، وتجاوزِ الاختلافات والتبايناتِ التي تطرأُ وتستجدُّ بينها، بالحوارِ الذي يهدفُ أولاً وأخيراً مصلحةَ لبنان وأهله، وإبعادَه عن أيِّ توتراتٍ وتأزماتٍ، تغتبط بها إسرائيل، انسحبت من الغجر من غيرِ رجعةٍ أو لم تنسحب.