بوسع الغرب أن ينتقد دولة مثل سوريا علناً بمعيار الديمقراطية الليبرالية بأن يصنفها كدولة استبدادية. وبوسع الغرب أيضاً أن يهاجم النظام الإيراني باعتبار أنه متطرف إسلامياً.

وبوسع الغرب كذلك أن ينتقد النظام الكوبي باعتباره أنه لا يطبق نموذج اقتصاد السوق الحُر ـ أي النظام الرأسمالي. وبينما يمكن أن يكون لهذه التصنيفات الغربية قدر من المصداقية الظاهرية فإن الغرب لا يستطيع إطلاقاً أن ينتقد تركيا الجديدة التي يحكمها حزب العدالة والتنمية بأي معيار من المعايير الثلاثة المذكورة. فالنموذج التركي الجديد يجمع في آن معاً الديمقراطية الليبرالية على الطريقة الغربية واقتصاد النظام الرأسمالي مع أجندة إسلامية مخففة.

هذا يبعث على طرح تساؤل كبير: لماذا مع ذلك يُنظر إلى تركيا الجديدة بعين ريبة وقدر من الكراهية المكتومة أحياناً والمعلنة أحياناً أخرى. في مقالة افتتاحية تقول مجلة «الايكونومست» اللندنية إن موقع تركيا الاستراتيجي بجوار الشرق الأوسط وروسيا وكمعبر بين أوروبا وآسيا يعني أن تركيا ظلت على الدوام ذات أهمية فريدة. لكن خلال السنوات العشر الأخيرة فإن أهميتها تضاعفت. لماذا؟

لأنها شهدت تحويلين كبيرين هما أداؤها الاقتصادي وسياستها الخارجية.

عبر سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية كان الاقتصاد التركي مصاباً بمرض مزمن يتمثل في نمو مضطرب وتصاعد في معدل التضخم وبطالة تتعاظم معدلاتها عاماً بعد آخر. أما اليوم فإن معدل التضخم أصبح ضئيلاً حيث إن تركيا تستطيع أن تتباهى باقتصاد وطن هو الأسرع نمواً في الغرب ـ خاصة في مجال السلع المصنعة بأنواعها حتى أنه أصبح يطلق عليها «صين أوروبا».

في مجال السياسة الخارجية ظلت تركيا على الدوام قلعة للغرب لاسيما بحكم التصاقها الجغرافي مع الاتحاد السوفييتي. وبهذه الصفة كانت تركيا دولة موالية تماماً للغرب خاصة إذا أخذنا في الاعتبار عضويتها في الحلف الأطلسي مما جعلها قاعدة عسكرية عملاقة وأهم محطة استخباراتية غربية على مدى عقود زمنية متصلة. الآن الأمر مختلف. فتركيا المدعومة باقتصاد قوي أصبحت اليوم تمارس نشاطاً دبلوماسياً راديكالياً واندفاعياً في الشرق الأوسط ومنطقة البلقان بل وامتد نشاطها إلى القارة الإفريقية.

وبإيجاز فإن تركيا تحولت إلى عملاق دبلوماسي إقليمي يصح أن يطلق عليه «برازيل المنطقة». هذا التحول الكبير ربما يجعلنا نتصور أن القوى الغربية ترحب به. ولكن عوضاً عن ذلك فإن مشهد تركيا مزدهرة اقتصادياً ومنطلقة دبلوماسياً يثير أعصاب الغرب.

حتى قبل أن تصير تركيا إلى ما صارت إليه اليوم كانت تجد صدى من مجموعة دول الاتحاد الأوروبي لمنعها من دخول عضوية الاتحاد. أما اليوم فإن دول أوروبا باتت ترتجف من رؤية تركيا الجديدة كدولة مندفعة اقتصادياً يتكون من أكثر من 70 مليون مسلم.

أما الولايات المتحدة فإنها أصبحت تتخوف من السياسة الخارجية التركية الجديدة.

في هذا السياق تقول «الايكونوميست» إن تخوف واشنطن بدأ يتصاعد عندما انضمت إلى البرازيل في تأييدها للبرنامج النووي الإيراني وتصويتها في مجلس الأمن الدولي ضد مشروع قرار يقضي بتشديد العقوبات المفروضة على إيران. لكن مما ضاعف من التخوف الأميركي تجاه التوجهات الخارجية الجديدة لتركيا تبدل السياسة التركية نحو إسرائيل وتحول أنقرة من حليف للدول العبرية إلى عدو لها.

بالتدرج توالت الهجمات الدبلوماسية التركية على إسرائيل؟ حيث بلغت أعلى درجة لها بعد حادثة «أسطول الحرية» التي راح ضحيتها تسعة مواطنين أتراك على أيدي قوة عسكرية وبحرية إسرائيلية.

لقد انتهزت حكومة رجب طيب أردوغان هذه الفرصة اشترطت أنه لكي تعود العلاقات مع إسرائيل إلى طبيعتها فإن على إسرائيل أولاً أن تتقدم باعتذار رسمي إلى تركيا وأن تقبل بإجراء تحقيق دولي في الحادثة وأن تدفع تعويضات لأسر الضحايا الأتراك.. وفوق هذا وذاك أن ترفع إسرائيل الحصار المفروض على قطاع غزة.

ربما تبدو هذه الشروط قاسية لكنها سواء أكانت كذلك أو لم تكن فإنها صادرة عن حكومة منتخبه في إطار نظام ديمقراطي ليبرالي حُر وتعددي.

وبذلك فإن حكومة «حزب العدالة والتنمية» تتبنى سياسة خارجية تستجيب لتطلعات ومطالبات جمهور الناخبين الأتراك. لماذا إذن تغضب دول الغرب على تركيا الجديدة وتنظر شذراً إلى حكومة مدعومة جماهيرياً؟

إنه موقف يفضح النوايا والأهداف الغربية الحقيقية. فالدول الغربية ليست مهتمة كما تدعي بأمر الديمقراطية في تركيا أو غيرها من دول العالم اللا-غربي بدليل أن الغرب كان الداعم الأعظم لمدى عقود للأنظمة الانقلابية الاستبدادية في تركيا. ما يقلق الغرب حقاً أن تركيا الجديدة أصبحت نموذجاً ناجحاً لاستقلالية الإرادة بعد التحرر من السيطرة الغربية.

وبذلك فهو نموذج أصبح قابلاً للاقتباس في سائر الدول النامية الخاضعة للغرب والمحكومة بأنظمة استبدادية إذ ترى كيف يتحقق الازدهار الاقتصادي كنتيجة للتحرر السياسي.

كاتب صحافي سوداني

opinion@albayan.ae