الهجمات المنسقة التي تتعرض لها المصالح الأميركية، وما ينجم عنها من خسائر بشرية ومادية تضعنا مُباشرة أمام سؤال جوهري يتعلق بتلك الأحداث، وما يتجاوز الواقعة الجنائية الفعلية والتي ينتفي فيها العنصر الأول بموت القاتل والقتيل معاً، فالذين ذهبوا لشن الهجوم نذروا أنفسهم للموت، وبموتهم انتفت المساءلة الجنائية المُباشرة.
والذين كانوا في الموقع ذهبوا ضحية الواجب الوظيفي، وبعض من المارين الأبرياء ينتهون ضمن تلك المصادفة القدرية التي وضعتهم على مرمى إطلاق النار، وقد لاحظ المراقبون ان العمليات التي تبنتها التنظيمات الجهادية في أفغانستان واليمن كانت مُنسقة ومهنية بالمعنى الحرفي للكلمة، فقد لجأ المهاجمون دوماً إلى التمويه حيث وصلوا إلى مواقع أهدافهم وهم يتخفون بالملابس الميدانية للأمن الرسمي!
كما كانوا يتوفّرون على منظومة مُتكاملة من الأسلحة، ابتداءً من الرشاشات والمتفجرات وحتى صواريخ ال«آر.بي.جي»، بالإضافة إلى السيارات المفخخة الجاهزة للتفجير، لكنهم وبالرغم من فشلهم في تحقيق بعض الأهداف قدموا رسالة واضحة، وكان اختيارهم للمكان والزمان ترجمة لتهديداتهم التي أطلقوها بعد كل هجمة أميركية تعتمد سياسة الضرب عن بعد، وتسعى إلى تعميمها قسراً على حلفائها في باكستان وأفغانستان واليمن.
وتجاوزاً للبُعد الجنائي لما حدث ويحدث تفتح هذه العمليات أسئلة عديدة، وتتحول إلى مناسبة استثنائية للتفكير عملياً حول الأبعاد المختلفة لها، والشاهد أن هذه العمليات تترافق مع سلسلة من أعمال التفجيرات والاختطافات، وتلتبس بقدر كبير من مؤشرات البيئة العامة، ليس لليمن وباكستان وأفغانستان فقط، بل لأغلب بلدان العرب المُسيّجة بالفقر والحيرة والإحباطات.
تلك البيئة المثالية لتفريخ التطرف والمنطق الطُهراني الباحث عن نموذج ألفي فأظل معياره التاريخ ونواميسه هي المنطلق للتطرف الذي يأتي كما لو انه رد فعل مباشر للتطرف الرسمي المحلي والعالمي.
والحقيقة أن السُلطات اليمنية كانت قد أفلحت إلى حد كبير في تأجيل المقارعة الراهنة عندما لجأت إلى سلاح الحوار والتفهيم العاقل، واستبعدت إجرائياً الحلول الأمنية المباشرة، غير أن هجمة وادي حضرموت قبل أشهر والتي جاءت عطفاً على بلاغ من دولة مجاورة شقيقة، بدت كما لو أنها بداية إشعال لفتيل كان قد خمد وتوارى تحت الرماد.
وقد أسهمت الإدارة الأميركية في تسخين الحرب المحلية اليمنية لمكافحة الإرهاب من خلال مطالباتها المستمرة وإحراجها المتواتر للقيادة اليمنية، بالإضافة إلى الغضب والإحساس بالقهر الذي يستشعره الشباب اليماني الفتي الرائي لما يجري في فلسطين والعراق والصومال وأفغانستان.
ما جرى بالأمس القريب عند عتبات السفارة الأميركية، وتالياً في محافظتي ابين وشبوة سيكون له آثار مؤكدة في مختلف المستويات، فاليمن لم يخسر عدداً من الموتى الأبرياء فحسب، بل خسر ويخسر الكثير الكثير على المستويات الاقتصادية والاستثمارية والسياحية. وقد كانت الولايات المتحدة أول المُبادرين في نصح رعاياها بالمغادرة، وقبلها بقليل توالت نصائح فرنسا وبريطانيا لرعاياهما بعدم الذهاب إلى اليمن، ومثل هذه النصائح لا تشمل من يذهبون للسياحة فحسب، بل كل من يفكر في الاستفادة من بيئة الاستثمار المواتية في اليمن.
هكذا يبدو المشهد الراهن المُكبّل بنمطية الصورة الكئيبة، غير أن الحكومة اليمنية بوسعها مُغالبة هذا الطارئ المُداهم من خلال منظومة من التدابير التي لا تبدأ بالخيار الأمني ولا تنتهي إليه، بل تعتبره واحداً من جُملة إجراءات واقعية لمجابهة التحدي، فمن الناحية الأمنية لا بد من الأخذ بأنظمة الرقابة العصرية «الشفافة» حتى يستمر انسياب الحياة والمصالح في المدن اليمنية الكبرى وأولاها صنعاء، ومن الناحية الاجتماعية الفكرية أثبتت ثقافة الحوار جدواها، بل ان اليمن تميّز بهذه المأثرة وحقق فيها نجاحاً مشهوداً على مدى السنوات الماضية.
الأمر الذي يقتضي عدم التخلّي عن فكرة الحوار مع الشباب المندفع الحالم بميتافيزيقا المثال «بكسر الميم»، وعلى المستوى العام لا بد من محاربة الفقر، والتوجه بقوة إلى دوائره الحافلة بمُقدمات العنف والتعصب والتطرف، وذلك من خلال إطلاق الحكم المحلي الشامل، والتنمية الأُفقية، والمبادرات الخلاقة للمحافظات المختلفة، وتعظيم الأفضليات النسبية للمناطق الاستثمارية، وتنويع أساليب التعامل الأمني والاقتصادي والخدماتي، وتفعيل الأجهزة والاتحادات والهيئات والمنظمات الخاصة بمحاربة الفقر وآثاره.
وأخيرا وليس آخرا تعزيز منظومة التكامل الإقليمي والدولي في محاربة الفقر قبل الإرهاب، والبطالة قبل المشاريع الوهمية، فالمال الذي يتم تدويره بين الناس أكثر بركة من ذلك الذي يذهب إلى جيوب لصوص المال العام، وفي كسرة الخبز الصغيرة قيمة معنوية وأخلاقية للجائع، وفي التكافل والتضامن الاجتماعي الذي يحده ويحدده القانون خير مخرج من المتاهات.
من أجمل ما ذهب إليه البرلمان البريطاني مؤخراً حول معيار التعامل مع الدول: أن تكون دولة الأفضليات في التعامل دولة قانون وعدل، وان يتم التخلّي عن معايير المصلحة الاقتصادية، والعوامل العسكرية والنفعية في تحديد الأفضليات.
هذا الكلام ينطوي على إشارات دالة أرى أن على اليمنيين والعرب ان يتقرُّوه بواسع النظر، فالإنسان سوي بطبعه إن لم يُظلم، ومريض سيكوباتي كلما تعرض للإجحاف والمظالم.
كاتب وباحث يمني