من أهم محددات عملية التنمية الانسجام الحادث بين جوانبها المختلفة التي تصب في النهاية لصالح الإنسان وتطويره. فإذا ما انعدم التجانس بين هذه الجوانب أصبحت عملية التنمية عبارة عن جُزر متباعدة لا يوجد بينها رابط حقيقي ولا مصالح مشتركة فعلية. كما أن التنمية الحقيقية يجب أن تكون شاملة في المكان ومتطورة عبر الزمان وساعية لتقدم الإنسان. وهذا التجانس يؤدي بلا شك إلى رفع معدلات النمو بمستوياتها الكمية والكيفية على السواء.

فلا توجد تنمية تشمل منطقة دون أخرى ولا مدينة دون غيرها، كما أنه لا توجد تنمية ثابتة وغير متحولة؛ فثبات التنمية إعلان إفلاس لها. فبقدر ما تستطيع خطط التنمية أن تتأقلم مع التغيرات المحيطة بها، وأن تتحول وفقاً لمقتضيات السوق والمتطلبات الاجتماعية الملحة، بقدر ما تستطيع أن تكتسب صلابة تمكنها من الاستمرار والعمل الجدي المتواصل والحقيقي.

وأخيراً فإنه لا يمكن وصف التنمية بهذا الاسم إذا لم تستطع أن ترفع من شأن وقدرات الإنسان وتجعل له مكاناً متميزاً بين أبناء الأمم الأخرى يؤكد على جدارته وعلى حقيقة ما اكتسبه وتعلمه من مهارات ومعارف وقدرات مختلفة.

كما أن التنمية يجب أن تكون حقيقية وفق متطلبات البشر وظروف واقعهم المعيش؛ بمعنى أنها يجب أن تكون انعكاساً مباشراً للظروف التي يعيشون بها وللثقافات التي ينتمون إليها ويرتبطون بها. فالتنمية في النهاية تعبر عن ثقافة البشر وانتماءاتهم رغم طابعها الاقتصادي والاجتماعي الواضح.

وعلى العكس من التصورات السابقة فإن الكثير من تجارب التنمية العربية لا يعكس هذا التجانس والترابط والأهداف الواضحة لها. فالتنمية في العالم العربي غير شاملة بمعنى أنها لا تغطي كافة المناطق من ريف وحضر، وعواصم وضواحيها، كما أنها لا تغطي كافة مجالات التنمية من صناعة وزراعة وخدمات.

إضافة إلى ذلك فإن التنمية في بعض الدول العربية تنمية شكلية مظهرية تهدف للدعاية المحلية والعالمية أكثر منها تنمية تعبر عن واقع البشر وثقافاتهم؛ فهي تنمية مظهرية غير متجذرة في السياق المجتمعي. ويعود انعدام التجانس التنموي في العالم العربي للعديد من الأسباب التي يمكن تناولها في ما يلي..

فالكثير من خطط التنمية يتم لأسباب سياسية أكثر منها لأسباب ترتبط بالجدوى الاقتصادية والاجتماعية. فالمخطط التنموي لا يستطيع أن يفرض قناعاته وخططه الاقتصادية قبل أن يرى مدى ملاءمتها لصانع القرار السياسي، وهو ما أدى في أحيان كثيرة لفرض خطط تنموية لصالح فئات بعينها، أو من أجل امتصاص غضب فئات مجتمعية أخرى. وفي كلا الحالتين فإن ما تم فرضه ظل بعيداً عن الجدوى الاقتصادية والاجتماعية بعيدة المدى.

ومن بين أكبر تأثيرات خطط التنمية العربية الحالية أنها عمقت المسافة بين الأغنياء والفقراء بشكل غير مسبوق، كما أنها فرضت أنماطاً تنموية تصب لصالح فئات محدودة جداً قياساً لباقي الشرائح المجتمعية الفقيرة أو محدودة الدخل، وعلى رأسها المشروعات السياحية والمساكن الفارهة.

وامتداد لهذا التوجه فإن خطط التنمية العربية تركز أكثر ما تركز على المدن الكبرى فيها وبشكل خاص العواصم التي تستحوذ على أكبر نسبة من خطط التنمية ومخصصاتها. ولا يعود ذلك إلى ما تجلبه تلك العواصم من عائدات بقدر ما يعود للتكدس السكاني بها، وما تثيره من اضطرابات وقلاقل عدة. فالكثير من المظاهرات التي تندلع في الدول العربية تنطلق شرارتها من قلب عواصم تلك الدول التي يتكدس فيها السكان ويزداد الوعي السياسي. من هنا فإن توجه معظم مخصصات التنمية نحو العاصمة لا يعكس أية جدوى اقتصادية بقدر ما يهدف لحماية النظم السياسية من مخاطر اندلاع التوترات الاجتماعية والسياسية المختلفة.

كما أن خطط التنمية في العالم العربي يرتبط بمشروعات غربية تفرضها أنماط العلاقات مع هذه الدول أو مؤسسات التنمية الدولية بما يفرض خططا لا تمت للواقع الاجتماعي بصلة. وفي بعض الأحيان تتم هذه الخطط وفقا لأهواء الحاكم والمحيطين به وليس وفقاً لما تفرضه دراسات الجدوى الاقتصادية وتأثيراتها الاجتماعية.

تحتاج الكثير من خطط التنمية العربية الحالية، إذا جاز وصفها بذلك، إلى إعادة تفكير جذري في ما تطلقه من مشروعات من أجل التأكد من جدواها الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى ضرورة التأكد من ارتباط هذه الخطط بالواقع الاجتماعي الفعلي وبالبشر أصحاب المصلحة الأولى في إطلاق خطط التنمية.

كاتب مصري

moc.liamtoh@mizaledbahelas