لقد قال الناخبون الأميركيون كلمتهم، فهم يعتقدون أنهم لا يريدون المزيد من العجوزات الضخمة والإنفاق العام الكبير والنمو الهائل في الحكومة، أو مواجهة شبح فرض المزيد من الضرائب من أجل سداد كل هذا. ولا عجب في ذلك، فنحن على مقربة خطوة من أن نكون مدينين بنسبة 100 % من إجمالي ناتجنا المحلي السنوي في إطار الدين القومي الأميركي، بينما نراكم أكبر عجوزات في زمن السلم سنوياً في تاريخ أميركا.
لذا فإن خفض الاقتراض والإنفاق هو أمر حتمي، إذا كنا نريد لأميركا أن تتجنب الانفجار الاقتصادي للداخل، مثلما حدث في اليونان. ولكن بينما يبدأ الصراع الدموي، فعلينا أن نتذكر أن السياسات الغريبة التي ستتحكم في هذه العملية قريباً.
أولاً، ما من أحد يخفض الحكومة خلال الفترات الجيدة، عندما نكون قادرين على الحدّ من الإنفاق بشكل أفضل، ويكون الجمهور بحاجة إلى مساعدة أقل. فالخفض يتم فقط بعد تعثر الاقتصاد ونفاد الأموال. وتؤدي هذه الحقيقة دائماً إلى حلقة مفرغة، فعندما يعتقد الناس أنهم بحاجة إلى مساعدة عامة بشكل أكبر، فإن الحكومة المثقلة بالديون تكون في أكثر حالاتها عجزاً عن تقديمها.
ويصبح المتلقون للمساعدات معتادين على الحصول على الإضافات الثابتة في الأموال الفيدرالية، التي يتلقونها وسوف يصرون على أنهم يمكنهم البقاء عن طريق زيادات مستمرة فقط، وليس من خلال تخفيضهم للنفقات.
ثانياً، مسألة زيادة الضرائب لها حدود، كما نرى من خلال الانهيار في ولاية كاليفورنيا. فهناك، لم يؤد فرض 10% ضريبة دخل من قبل الولاية على أصحاب الدخول الأكثر ارتفاعاً وضريبة المبيعات بما يقرب من 10%، إلى ميزانيات متوازنة، بل إنها أدت إما إرسال ذوي الدخول الأكثر ارتفاعاً وأصحاب الأعمال خارج الولاية، أو جعلتهم يتوقفون عن التوظيف وشراء المعدات.
وسوف يفضل أرباب العمل إيقاف أعمالهم أو التواري، بدلاً من المجازفة في الوقت الذين يغذون الوحش المتنامي في الولاية.
ثالثا، يحظى الديمقراطيون دائماً بوضع أفضل بكثير سياسياً في خفض الإنفاق الفيدرالي. وبوصفهم الحزب الذي أقر مسألة تغيير إعادة التوزيع، فإن الديمقراطيين يعتبرون أقل عرضه للاتهامات بأنهم يتسمون بالقسوة دون داعٍ، بالطريقة المتهكمة نفسها التي يمنح بها المحافظون مروراً أكبر للجمهوريين المبذرين في الإنفاق، كما لو كان تبذيرهم سمة غير متوقعة إلى حد ما.
وقد يفسر ذلك التناقض السبب في أن الإنفاق الحكومي كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي قد انكمش فعلاً في عهد الرئيس الأميركي الأسبق «بيل كلينتون»، الذي حقق فوائض في الميزانية خلال ثلاث سنوات من عهده الذي استمر ثماني سنوات في الرئاسة، ولكن العجوزات والإنفاق الحكومي ارتفع بصورة كبيرة في عهد الرئيس السابق جورج بوش.
إلا أن كلينتون كان نادراً ما يتعرض للسخرية من قبل الليبراليين لقسوته في فرض الانضباط المالي، أو امتدح من قبل المحافظين نظراً لتقتيره. كما أن بوش لم يكن يمتدح غالباً من قبل اليساريين بوصفه مهتماً نظراً لسخاء حكومته، أو أنه انتقد كثيراً من جانب اليمينيين نظراً لتبذيره.
رابعاً، وعد السياسيون بالتخفيض السلس لـ «لإهدار والاحتيال» العام، أو «المعونة الأجنبية» أو «الحروب التي لا مبرر لها». ومع ذلك، فإن المشكلة تكمن في أن الإهدار والحروب والمعونة هذا العام ربما تمثل أقل من 5% من الميزانية الفيدرالية. وفي مقابل ذلك، فإن أكثر من 60% من الإنفاق السنوي يتم تخصيصه للضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والطبية والدفاع، بصرف النظر عن النفقات العسكرية.
ويستحيل تحقيق الانضباط في الميزانية دون إجراء مناقشة بلا حدود للمسألة الديموغرافية، وزيادة متوسط العمر المتوقع، ومخاطر الأمن القومي الناجمة عن أزمة الدين القومي التي لا يمكن تحملها.
خامساً، المصلحة الخاصة تحكم النقاش برمته. فهناك ما يقرب من نصف الجمهور في أميركا لا يدفعون ضريبة دخل. وحوالي نصف أميركا إما يحصلون على دخلهم كاملاً أو معظمه من الحكومة الفيدرالية. المستفيدون يصوتون لصالح فرض ضرائب أعلى على الآخرين، الإبقاء على المزيد من الفوائد لأنفسهم. ومن الجلي أن دافعي الضرائب يفضلون مدفوعات أقل للآخرين وانخفاض الضرائب على أنفسهم.
ومع ذلك فإن الانتماء السياسي ليس دائماً دليلاً واضحاً. وعلى الرغم من الخطاب العام، فإن الكثير من المحافظين سوف يعترضون في مجالسهم الخاصة على خفض أي فوائد فيدرالية يتلقونها، في حين أن الليبراليين ذوي الدخل المرتفع ربما يستاؤون في هدوء لاضطرارهم إلى دفع الزيادة في الضرائب التي يتم إنفاقها على الآخرين.
سادساً، هناك دائماً عنصر «فلتذهب أولاً» لتخفيض الميزانية. فالحزب الذي يفرض الانضباط تتم مهاجمته بصورة ديماغوغية، حتى على الرغم من أن الحزب الانتهازي المعارض له عادة ما يدعي أن الفضل يرجع له في تحسن الاقتصاد الذي يأتي من السياسات المسؤولة للآخرين.
ماذا يمكن أن يفعل الجمهور؟ ينبغي على الأميركيين الإشادة بأي سياسي من أي حزب يكون لديه الشجاعة لإحداث توازن في الميزانيات، وعليهم مساءلة أي من السياسيين الذين ليست لديهم الشجاعة لذلك. ربما يكون تخفيض الميزانية أمراً كئيباً، ولكنه ليس بدرجة الكآبة نفسها من الإفلاس (ولتسألوا الفرنسيين واليونانيين ). ولا تنسوا أنه مثلما تصبح الأسر متفائلة عندما يتم سداد الرهون العقارية وبطاقات الائتمان، كذلك سوف يستعيد الأميركيون التفاؤل والشعور بالفخر بشكل جماعي، عندما نحظى بإعجاب العالم الخارجي باعتدالنا المالي، بدلاً من السخرية من إدماننا على الإنفاق.
ولننظر إلى الأمر بهذه الطريقة، وذلك من حيث أمننا الصحي والقومي بشكل جماعي، فربما يساوي تحقيق فائض في الميزانية أكثر من فوائد رعاية صحية فيدرالية موسّعة، أو زيادة أخرى في تكاليف معيشة برنامج الضمان الاجتماعي، أو تكلفة حاملة طائرات جديدة.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد
