لا أظن أن هناك حاكما لدولة في العالم أكثر سعادة من نتانياهو بنتائج الانتخابات التشريعية الأميركية الأخيرة. والرجل لم يخف سعادته في الواقع فهي انعكست بشكل مباشر في سلسلة من المواقف التي اتخذها رئيس الوزراء الإسرائيلي ومثلت تحديا صريحا لأوباما واستقواء واضحا بالجمهوريين. وسعادة نتانياهو بتلك النتائج لها طبعا ما يبررها. ففوز الحزب الجمهوري فضلا عن تركيبة الكونغرس الجديد تمثل أفضل ما يحتاجه نتانياهو في المرحلة الحالية.
فبالنسبة للحزب الجمهوري، فقد طرأت عليه تحولات مهمة في العقود الأربعة الأخيرة جعلته فعلا بمثابة هدية لليمين الإسرائيلي. فمنذ سبعينات القرن الماضي، عاد اليمين الأصولي المسيحي ليلعب دورا مهما في الحياة السياسية الأميركية بعد أن كان قد توارى إلى حد كبير منذ عشرينات ذلك القرن.
وكانت أولى الانتخابات التي شارك فيها اليمين المسيحي بقوة هي انتخابات 1976 الرئاسية. وقتها أعطى ذلك التيار صوته لكارتر الديمقراطي لأسباب تتعلق بتدين كارتر. لكن أداء كارتر كرئيس أثار استياء التيار بسبب المواقف التي اتخذها من قضايا اجتماعية عدة. ولذلك أعطى هؤلاء أصواتهم في الانتخابات التالية لريجان.
ومنذ ذلك التاريخ ظلت علاقة اليمين المسيحي بالحزب الجمهوري تتنامى حتى صار مع بداية التسعينات أحد أهم القوى المرتبطة بالحزب الجمهوري بل وتحول اليمين المسيحي إلى قاعدة الحزب الأساسية التي تحسم الكثير من الانتخابات لصالحه.
واليمين الأصولي الذي يمثل حوالي 22% من الناخبين الأميركيين الآن وينتمي للحزب الجمهوري يؤيد إسرائيل تأييدا قويا على أساس عقيدي. فهناك قطاع مهم من هذا التيار يؤمن بالتفسير الحرفي للنبوءة التوراتية الخاصة بعودة السيد المسيح ليحكم الأرض لمدة ألف عام. وهو يؤمنون بأن وجود إسرائيل وتجمع اليهود فيها هو خطوة أولى نحو عودة السيد المسيح. ومن ثم فإن وجود إسرائيل ودعمها غير المشروط مسألة عقيدية بالنسبة لهم لا تقبل المساومة أو التنازلات.
غير أن الحزب الجمهوري انضم إليه أيضا في فترة الستينات والسبعينات فريق آخر من أشد مؤيدي إسرائيل وأكثرهم دعما لها بلا شروط، وهو فريق المحافظين الجدد الذي هيمن لاحقا على صنع السياسة الخارجية الأميركية في عهد بوش الابن.
والمحافظون الجدد تيار علماني كان ينتمي لليبرالية وللحزب الديمقراطي قبل أن ينقلب عليهما في نهاية الستينات وبداية السبعينات. وبينما يمثل اليمين الديني القاعدة الانتخابية للحزب فإن المحافظين الجدد لهم وجود معتبر بين نخبته.
والحزب الجمهوري بتلك التركيبة صار فعلا يضم قوى تدعم إسرائيل دون قيد ولا شرط وترفض ممارسة أية ضغوط عليها.
وتركيبة الكونغرس الجديد سبب إضافي لسعادة نتانياهو. ففضلا عن الديمقراطيين المؤيدين بشدة لإسرائيل في مجلس الشيوخ مثل شومر وليبرمان، فقد دخل للكونغرس عدد كبير من الجمهوريين الذين يؤمنون بأفكار اليمين المسيحي أو المحافظين الجدد. بل أكثر من ذلك، فإن زعيم الأغلبية في مجلس النواب سيكون هو النائب اليهودي المتشدد في دعمه لإسرائيل إريك كانتور بينما ستتولى أليانا روس ليتنين الكوبية الأميركية ذات الميول الصهيونية منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالمجلس.
وقد أعطى كل ذلك لنتانياهو الجرأة ليتخذ سلسلة من المواقف كما سبق القول تمثل تحديا صارخا لأوباما واستقواء بالجمهوريين. فقد تم تصعيد الحديث عن يهودية الدولة بعد فوز الجمهوريين. ثم سافر رئيس الوزراء الإسرائيلي لواشنطن مع الإعلان عن بناء 1300 وحدة سكنية جديدة في القدس الشرقية.
وما إن انتقدها أوباما حتى استخدم نتانياهو لغة تتسم بدرجة عالية من الصلف للرد عليه. ليس ذلك فقط، فقد قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بتصعيد خطابه ضد إيران داعيا الولايات المتحدة لتقدم (تهديدا عسكريا ذا مصداقية).
ثم التقى نتانياهو بوزيرة الخارجية الأميركية على مدى سبع ساعات كاملة خرج بعدها ليلمح بأنه ربما يقبل العرض السخي الذي قدمته أميركا لإسرائيل مقابل تجميد الاستيطان، ولكن بعد إضافة المزيد من الطلبات لما قدمته أميركا أصلا.
كان العرض الأصلي الذي قدمته الولايات المتحدة يتضمن مساعدات عسكرية هائلة والتعهد بحظر دخول السلاح للدولة الفلسطينية وفيتو أميركي ضد أي قرار من مجلس الأمن طوال المفاوضات وتعهد بعقد اتفاق أمن إقليمي يخدم مصالح إسرائيل. وكل ذلك مقابل أن تقبل إسرائيل تجميد الاستيطان لمدة ستة أشهر فقط غير قابلة للتجديد.
لكن نتانياهو الذي لم يوافق على كل ذلك طوال الفترة الماضية، ألمح أنه ربما يوافق ولكن بعد إضافة شروط جديدة منها توقيع كل الدول العربية اتفاقات سلام مع إسرائيل بالتزامن مع توقيع الفلسطينيين.
والواقع أن كل تلك المواقف التي اتخذها نتانياهو كانت بمثابة رسائل ضمنية للجمهوريين في الكونغرس تدعوهم لتبنى تلك الأفكار والدفاع عنها.
والرسالة قد وصلت بالفعل. فقد أعلن إريك كانتور زعيم الأغلبية الجمهورية بعد لقائه بنتانياهو أن الكونجرس سيمثل رقابة على الإدارة في السياسة الداخلية والخارجية. بينما أعلنت رئيس لجنة العلاقات الخارجية تحفظها على حصول السلطة الفلسطينية على المعونات التي كانت إدارة أوباما قد أعلنت عنها.
ومن الواضح حتى الآن أن الجمهوريين في الكونغرس لن يترددوا في تقديم الدعم غير المشروط لإسرائيل والضغط على إدارة أوباما لئلا تمارس أي ضغوط عليها فيما يتعلق بفلسطين. كما لن يترددوا في مساعدة إسرائيل أيضا بشأن مزيد من التشدد إزاء إيران.
لكن السؤال الأهم في الفترة المقبلة سوف يتعلق بما إذا كان الجمهوريون على استعداد، في ظل الأزمات الطاحنة التي تواجهها بلادها في الداخل والخارج، لأن يقدموا لإسرائيل غطاء سياسيا إذا ما قررت توجيه ضربة عسكرية لإيران أو سعت لدفع أميركا في هذا الاتجاه.
كاتبة مصرية
