تحل علينا اليوم مناسبة عيد الأضحى المبارك مشفوعة بالكثير من الدلالات القيمية والدينية التي تحض على التسامح والتراحم والألفة والمحبة وزيارة الأرحام والعطف على الفقراء وتعزيز التكافل والسمو فوق الأحقاد والضغائن وكل ما علق بالنفوس من الأدران والشوائب، والترفع عن الخلافات أياً كانت أسبابها أو مسبباتها سياسية كانت أو حزبية أو ذاتية، أو غير ذلك.
ومن هذه الدلالات جدد فخامة الأخ الرئيس علي عبدالله صالح، رئيس الجمهورية، في خطابه الوطني بهذه المناسبة دعوته لكافة القوى إلى المضي قدماً في إنجاح الحوار الوطني والوصول به إلى غاياته المنشودة باعتبار أن الحوار هو الوسيلة المثلى لمعالجة التباينات والاختلافات وتبديد الشكوك والهواجس.
وإحلال الثقة بديلاً عنها، ولما من شأنه الوصول إلى الفهم المشترك الذي ينتقل فيه الجميع من دائرة التجاذب والتنابز إلى فضاء أرحب من التوافق والاصطفاف الوطني الذي يغلب المصلحة العامة ويحافظ على مكتسبات شعبنا، ويصون الثوابت الوطنية ومنجزات الحياة الديمقراطية.
ولابد من الإقرار هنا بأن فخامة الأخ الرئيس وهو يؤكد دوماً على مسألة الحوار إنما ينطلق من إيمان راسخ لا يتزعزع بأن الحوار المسؤول والبناء هو السبيل لإنضاج ثقافة الديمقراطية والارتقاء بالعمل السياسي وتطويره والسير بالوطن في اتجاه المستقبل الآمن والمشرق، لقناعته الثابتة.
كما أشار يوم أمس في خطابه بأنه، متى كان الحوار محتكماً للعقل والمنطق والحجج الناصعة التي يمليها التفكير السليم، فلا يمكن أن تعترض طريقه أية مصاعب أو عقبات أو عراقيل، وكأن الأخ الرئيس بهذا التوصيف قد أراد أن يضع الجميع أمام الفارق الشاسع بين الحوار المنفلت الذي لا تحكمه معايير أو ضوابط ولا يستند إلى محددات واضحة، وبين الحوار المحصن بروح الديمقراطية والأسس الدستورية الناظمة وقواعد الالتزام بالثوابت الوطنية.
ومن هذا نخلص إلى أن الحوار، ما لم يؤطر برؤى واقعية وموضوعية، فإنه يتحول إلى حوار طرشان لا جدوى منه سوى إهدار الوقت والطاقات في نقاشات لا تفضي إلى شيء.
وتنطبق هذه الحالة أيضا على أي نزوع أو توجه يسعى لاستخدام الحوار كوسيلة للالتفاف على الاستحقاقات الديمقراطية التي هي حق للشعب ولا يجوز بأي حال من الأحوال إخضاعها للنقاش أو المساومة أو المقايضة.
وأقرب هذه الاستحقاقات هي الانتخابات النيابية القادمة التي لا تقبل التأجيل أو التأخير أو التسويف باعتبارها التزاما ينبغي الوفاء به، خاصة وأن أي تلكؤ عن إجراء هذه الانتخابات في موعدها المحدد سيضع التجربة الديمقراطية في اليمن برمتها على كف عفريت، إن لم يؤد إلى إدخال البلاد في مأزق حاد لا يعلم إلا الله أين ستنتهي نتائجه ومضاعفاته السلبية .
ونجدها مناسبة للقول إن كل هذه المعطيات وغيرها يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار من قبل كل القوى السياسية والحزبية التي حان الوقت لكي تبرهن على أنها حريصة على مصلحة الوطن، وحريصة على الارتقاء بالتجربة الديمقراطية وتقدم مساراتها، وأن ما يهمها هو النهوض بهذه التجربة من خلال تأصيل ممارستها من قبل المواطنين على نحو حر ونزيه وشفاف.
وأن هذه القوى السياسية أصبحت تتمتع بمستوى من النضج يمكنها من اجتياز هذا الاختبار بنجاح، فما ينتظره الجميع هو مثل هذا الموقف المسؤول لتؤكد هذه القوى أنها ومهما تباينت رؤاها مع الحزب الحاكم، فإنها لن تسمح لأي كان بدفعها في اتجاه إعاقة مسيرة الديمقراطية والظهور كطرف ينازع الشعب على حق من حقوقه الدستورية، بل إنها معنية أكثر بالاثبات على أنها مع الديمقراطية وليست حجر عثرة تقف في طريقها.
ونعتقد أن الضرورة تقتضي من هذه القوى أن تسارع إلى إجلاء الصورة عن مواقفها أكان ذلك في ما يتعلق بمسألة الحوار أو الانتخابات النيابية القادمة وإجرائها في موعدها المحدد، خاصة وأن هناك شكوكا كثيرة يتداولها الشارع بشكل واضح إزاء ما يتصل بمواقفها من العملية الديمقراطية برمتها، وأنها التي صارت تبني توجهاتها على أساس يطغى عليه الغموض والضبابية إن لم يكن الاندفاع غير المحسوب في اتجاه تقويض العملية الديمقراطية وإعادة البلاد إلى أزمنة الشمولية.
ولا نخال أن هذه القوى السياسية غافلة أو متغافلة عن مثل هذا الطرح الذي صار يتكرر بشكل قوي في أوساط الناس بعد أن لمسوا في مواقفها خلال العامين الماضيين بعض المواربة مما أثار المخاوف أن حديثها عن الحوار هدفه ذر الرماد في العيون وإدخال البلاد في فراغ دستوري غير مأمون العواقب.
ولأننا حريصون على هذه القوى السياسية فقد طرحنا ما يتداوله الشارع ليس للنكاية بها، ولكن لمجرد وضع عيونها على أمر يتداوله الناس، باعتبار أن لا مصلحة لها في أن تكون طرفا نقيضا لأبناء مجتمعها.
وفي كل حال حري بنا في مناسبة عيد الأضحى، أن نجعل من هذه المناسبة محطة لمراجعة النفس وإشاعة قيم التسامح والتكافل والتراحم والمحبة، وتعميق روح المواطنة الصادقة والولاء لهذا الوطن الذي به ترتفع هاماتنا.. وعيد مبارك والجميع بخير.
