على ما يبدو أنه الآن بات شبه اتفاق على أن مسرح السياسة الدولية وموازين القوى ينتقل من الغرب إلى الشرق، وأن القارة الآسيوية ستكون في المستقبل القريب هي القارة الأم التي توجه السياسة العالمية وتحرك الأحداث على الساحة الدولية.

خاصة وأن القوى الكبيرة في هذه القارة كثيرة ومتعددة ويتوسطهما ثلاث قوى هامة، إحداها قوة اقتصادية عملاقة وهي اليابان، والثانية عملاق اقتصادي وعسكري في نفس الوقت وهو الصين، والثالثة قوة وريثة للقوة السوفييتية العظمى بطموحاتها واستراتيجياتها وهي روسيا.

دخلت آسيا مرحلة التغييرات السريعة. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى تنامي النفوذ الصيني الذي خرج عن نطاق السياسة الإقليمية وأصبحت الصين بذلك لاعبا مؤثرا على الساحة الدولية. كان السياسي الصيني دينغ سياو بينغ يوصي بأن تبقى الصين على مدى سنوات، بل عقود لاعبا غير ملحوظ لا يلفت الأنظار.

وعلى الصعيد الرسمي لا يزال هذا التوجه قائما، إذ ان المسؤولين الصينيين كثيرا ما يتحدثون عن بلادهم باعتبارها قوة نامية تحتاج إلى سنوات عديدة لحل مشاكلها الداخلية، وينفون تماما أية تطلعات عالمية. حتى إذا كان ذلك حقيقة، فإن النوايا لم تعد لها أهمية على خلفية النفوذ الذي قد حققته الصين.

تعد الصين أكبر بلد في العالم من حيث عدد السكان، ويفوق معدل النمو الاقتصادي 10% سنويا، وتبلغ احتياطاتها من الذهب والعملات الصعبة تريليوني دولار، كما أن لها استثمارات في كل أنحاء العالم ونفقاتها العسكرية في ازدياد مستمر. إن كل هذه الوقائع في حد ذاتها ستغير المنظومة الدولية بأكملها. ولم تعد لدى الصين فرصة للاختباء وراء أحد، إذ ان الاتحاد السوفييتي لم يعد موجودا منذ تفككه، واقتربت الصين من الولايات المتحدة من حيث بعض المعايير.

يعني ذلك أن الاهتمام ببكين سيكون في ازدياد مستمر، في الوقت الذي يتحول فيه القطب السياسي للعالم إلى منطقة «آسيا- المحيط الهادئ». إذن قيمة الرهان في اللعبة الآسيوية في ازدياد.

قد يبدو ذلك غريبا، ولكن اليابان وروسيا لم تضعا في هذه الأثناء استراتيجية مدققة ولم تدركا المكانة التي ينبغي عليهما شغلها في السنوات والعقود المقبلة.

كانت اليابان في الثمانينيات من القرن الماضي تعتبر قوة اقتصادية كبرى ستبدأ بتحويل إمكانياتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي. ولكن ذلك لم يحدث نظرا لفترة التراجع التي تعيشها البلاد منذ بداية التسعينيات. كان يبدو أن التغييرات في العالم تمنح طوكيو فرصة لتحقيق الاستقلالية السياسية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانشغال الولايات المتحدة بعملية إعادة بناء مناطق أخرى من العالم.

ولكن طوكيو لم تتمكن من التأقلم في الوضع الجديد، نظرا لظهور العامل الصيني في الحسابات الاستراتيجية الأميركية في نهاية التسعينات. وازداد مجددا دور اليابان في الحفاظ على التوازن في المنطقة. إلا أنا زيادة التبعية المتبادلة بين اليابان والصين، والولايات المتحدة والصين وضعت حدا لعلاقات الردع الكلاسيكي، ليتحول المثلث إلى مزيج المصالح والتناقضات المترابطة.

وأثارت الأزمة المالية العالمية شكوكا حول متانة المواقف الأميركية مقابل الشعور بتعزيز مكانة الصين. ونتيجة لذلك جاءت محاولة حكومة تيوكيو هاتوياما في اليابان الذي تولى زمام السلطة في خريف 2009 لإضعاف النفوذ الأميركي بعض الشيء والتركيز على انتهاج سياسة إقليمية مستقلة، بما في ذلك في العلاقات مع الصين.

وانتهى ذلك بخسارة أدت بدورها إلى استقالة هاتوياما. ولم يتمكن خليفته من استعادة جو الثقة في العلاقات مع الولايات المتحدة على أكمل وجه. وشعرت الصين بارتباك في السياسة اليابانية، لتزداد ضغوطها السياسية والاقتصادية.

ومع ذلك، لا تدرك اليابان أي سلوك تتبعه في المستقبل. كان من المنطقي على الأرجح أن تعود إلى مكانة «حاملة مروحيات أميركية لا تغرق» وتعتمد على الضمانات الأميركية. وتخشى اليابان من أن تصبح طال الزمن أو قصر حدا في المواجهة الأميركية الصينية. خاصة وأن الإدارة الأميركية الحالية لا تزال مرتبكة بعض الشيء حول تغيير سياستها الخارجية والاستراتيجية التي يجب اتباعها مع الصين.

تواجه روسيا تحديات مختلفة تماما، ولكنها لا تقل أهمية. كانت سياسة روسيا موجهة نحو أوروبا وأميركا دائما، ولم تتمكن في الوقت المناسب من إعادة توجيه سياستها نحو آسيا. وكانت السياسة الروسية في آسيا تقتصر على شعارات جاءت مرتبطة بأهداف أخرى في المسار الغربي.

ولكن تبين فيما بعد أن روسيا نفسها قد تصبح موضعا لاستراتيجية ينتهجها أحد اللاعبين الرئيسيين (إما الصين وإما الولايات المتحدة)، ما لم تشرع بجدية في وضع استراتيجية في آسيا. يبلغ الشطر الآسيوي من روسيا ثلثين من أراضيها، في حين يقيم فيه أقل من ربع سكان البلاد، مما يزيد من مدى واقعية الخطر.

لا توجد أية فرصة لتسوية النزاع الروسي الياباني حول جزر الكوريل في إطار جدول أعمال ثنائي، لأن الجانبين غير مستعدينِ لتقديم أية تنازلات. إلا أن تغيير الوضع العام في آسيا وضرورة بناء منظومة التوازن قد يؤثران في هذا الخلاف المزمن. ولكن من أجل ذلك يتعين على موسكو وطوكيو إدراك مدى التغييرات التي تحدث حولهما وأنهما ليسا من العمالقة في اللعبة الآسيوية الكبرى.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail