تستقطب مدينة القدس الشريف ملايين الأفئدة عبر العالم سنوياً لزيارتها والصلاة فيها. على اختلاف الأديان والمذاهب والطوائف الدينية، تشكل المدينة المقدسة عاملاً مشتركاً يوحد بين هؤلاء الجميع. إذا ما زار أحدهم مدينة القدس سيجد أن نسبة كبيرة، حوالي 90%، من الزائرين هم من خارج المدينة.
هؤلاء يتوزعون على القارات الخمس إضافةً إلى الزوار المحليين. غالبية هؤلاء الزوار من أتباع الديانة المسيحية الغربيين، يأتي بعدهم أتباع الديانة الإسلامية. هنالك عراقيل وقيود عديدة مفروضة على زيارة المسلمين من أهل الداخل والخارج. عدد الزوار اليهود هو الأقل بسبب تدني نسبة عدد اليهود محلياً وعالمياً مقارنة بأتباع الديانات الأخرى.
عانت المدينة المقدسة خصوصاً، وباقي فلسطين عموماً، جراء الإجراءات الإسرائيلية الفاشية العنصرية؛ وعلى مدى عشرات السنين الماضية من السيطرة اليهودية. شملت الإجراءات التعسفية الصارمة المساجد والكنائس والمعالم التاريخية والأثرية والمقامات والأضرحة. كما ألحقت الإجراءات الإسرائيلية الويلات والثبور بكل زائر لا ترضى عنه إسرائيل، أو تشتبه به!، أمنياً وسياسياً ودينياً عقائدياً.
الذي يزور القدس من أتباع الديانات الأخرى لا بد أن يواجه مضايقات نفسية أو معنوية أو فكرية أيديولوجية أو جسدية؛ منفردةً أو كلها في آن معاً. ذلك لتثبيط عزيمته وكسر إرادته لثنيه عن التفكير بزيارة المدينة المقدسة، ولو مرةً أخرى ما أمكن الإسرائيليين ذلك.
القيادة الإسرائيلية الحالية، وأسوةً بمن سبقها لكن بشكل أكثر وضوحاً وعنجهيةً، تحاول الانتقام من كل شيء خارج نطاق أفقها السياسي والثقافي والعقائدي. ذلك على مستوى القيادة؛ أما في المناهج الأكاديمية للأطفال وطلاب المدارس والجامعات يمر الأكاديميون على التاريخ اليهودي بمزيد من التعصب والتخندق.
يشبعون الطلبة مادةً دراسيةً تفيد بأن «شعب الله المختار» تعرض على مدى التاريخ الطويل للمظالم. ذلك بدءاً بما يُعرف بالسبي البابلي على يد ملك بابل «نبوخذ نصّر». يعرّجون على المظالم التي حلّت بهم منذ عهد النبي موسى والسيد المسيح (عليهما السلام). يأتي دور العرب، وذلك الأهم حالياً، عندما ظهر الدين الإسلامي، واصطدم فكرياً وعقائدياً وسياسياً وعسكرياً ومادياً بأتباع الديانة اليهودية.
سياسياً حديثاً تُعتبر قصص محرقة «أدولف هتلر» النازية ضد اليهود قبيل منتصف القرن العشرين مادة دسمة بامتياز لأعمال الدعاية المضادة. هذه تُستعمل للتركيز الإعلامي عليها لتعبر عن المظالم اليهودية بشكل مأساوي عند كل من ألقى السمع لها باليقين. هذه الأحداث إضافة إلى غيرها من التاريخ القديم والحديث، حيثما عاشت الأقليات اليهودية بين المجتمعات الأخرى، نفسياً تخلق «بارانويا (عقدة اضطهاد) حادة» لدى طيف واسع من الإسرائيليين.
باحتفاظ إسرائيل بقوة تسلّح تقليدية وغير تقليدية تضاهي دولة عظمى مثل فرنسا أو بريطانيا، وحتى روسيا، ما يجعل من التفكير بضبط أو لجم أو ترويض الكيان الإسرائيلي وقيادته أمراً غير قابل للتفكير به. بمعنى آخر فإن تصرُّف الكيان الإسرائيلي بعقلانية وحكمة اتجاه العقائد الأخرى وأتباعها يُعتبر ضرباً من اللا واقعية المحضة.
دينياً وعقائدياً، أنصار الديانة اليهودية لا يعترفون بالديانات الأخرى وبالذات الإسلامية والمسيحية. أنصار الديانة المسيحية يعترفون بالديانة اليهودية لكنهم لا يعترفون بالديانة الإسلامية. ثمة هنالك احترام متبادل ساد بين أتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية على مدى عهود وعصور طويلة، لم يكن نظيره موجوداً بين أتباع الديانتين المسيحية واليهودية. الإسلام بدوره يعترف ويحترم الديانتين اليهودية والمسيحية وبقية الأديان والمعتقدات، وعلى حد سواء.
تبعاً لذلك فإن تولّي أتباع ديانة معينة أمور أتباع ديانة أخرى، لا يعترفون بها، يشكل امتهاناً لقوانين العدالة وحقوق الإنسان. سيؤدي ذلك إلى الانتقاص من قيمة أهل الديانات الأخرى، نفسياً ومعنوياً ومادياً وعقائدياً.
بصورة أكثر قانونيةً، سيؤدي ذلك إلى ارتكاب خروق وجرائم وفظائع لحقوق الإنسان؛ قد تندى لها وجوه البشر لمدة طويلة من الزمن. ذلك ما يحدث الآن على أيدي العامة من الإسرائيليين بتحريض واضح وتشجيع وتمويل من قبل قياداتهم السياسية الفاشية المتطرفة.
جامعة الإمارات