تابع الكثيرون على امتداد العالم بكثير من الاهتمام، خلال الأيام الأخيرة، الكتاب الذي أصدره الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بعنوان «نقاط اتخاذ القرار» وما أثاره من ردود فعل وأصداء تباينت وتعددت بحسب اهتمامات من صدرت عنهم ومواقفهم ومصالحهم.

وفي عالمنا العربي، قرأ الكثيرون بذهول تأكيد بوش وقوفه ضد الحرب للإطاحة بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وإقراره بأن غزو العراق استند إلى معلومات خاطئة، وقوله إنه شعر بالتقزز عندما لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل في العراق، والتي كان وجودها الذريعة الأساسية التي استندت إليها حرب العراق.

ومن المحقق أن هذا الذهول نابع من التقارير العديدة التي أكدت أن الاستعداد الأميركي لغزو العراق بدأ بعد أيام قلائل من الفترة الرئاسية الأولى للرئيس الأميركي الثالث والأربعين، غير أنه لا يتوقف عند هذا، وإنما يمتد إلى جوهر الاستراتيجية التي اعتمدها بوش في العراق لضمان استمرار الاحتلال الأميركي لأرض الرافدين، حيث يشير بوش إلى أن تبعات الهزيمة الأميركية في العراق كان يمكن أن تكون أكثر خطورة من الهزيمة الأميركية في فيتنام.

في أبسط مفاهيمها قامت الاستراتيجية التي اعتمدها بوش في العراق على العديد من العناصر، أبرزها الاستمرار في دفع أعداد كبيرة من الجنود الأميركيين للدخول في معارك في كل مكان من العراق تقريباً، اعتماداً على طاقة نيران هائلة، في مواجهة أي نوع من المقاومة، حتى ولو كانت من جانب المدنيين العزل في صورة مقاومة سلمية، ولكنها في أكثر من عناصرها تعقيداً قامت على تفكيك الإرادة السياسية لمقاومي الاحتلال بالعزف على أوتار الخلافات بينهم وتحويلها إلى تناقضات دموية.

وعلى الرغم من الأهمية الفائقة في كتاب بوش لكل ما يتعلق بالعراق، إلا أنه ينبغي أن يحجب عن ناظرينا ما أورده بوش عن الموقف في الشرق الأوسط، حيث يتبين لنا التعصب الأعمى من جانب بوش لإسرائيل ومشروعها الاستيطاني، وفي أكثر من موقع من الكتاب لا يتردد بوش في تأكيد أن طرحه لحل الدولتين ارتبط في المقام الأول بضرورة بروز قيادات فلسطينية جديدة تقدم التنازلات قبل أن تكون هناك مفاوضات حقيقية.

وفي اعتراف صريح، يبادر الرئيس الأميركي السابق إلى الإقرار بأنه حرص على إطالة أمد حرب 2006 التي شنتها إسرائيل على قواعد حزب الله في جنوب لبنان، ليتيح لإسرائيل المدى الزمني الذي يمكن لها فيه أن تقضي على حزب الله.

ويتوقف قارئ الكتاب طويلاً عند حماس بوش في الإعراب عن أسفه الشديد، لأن إسرائيل لم تستفد من الفرصة التي أتاحها لها لتدمير حزب الله، من دون أن يكلف نفسه عناء الإشارة إلى أرواح المدنيين اللبنانيين البالغ عددهم 1200 قتيل، الذين طحنتهم آلة الحرب الإسرائيلية في ذلك الصيف الذي يستعصى على النسيان.

وإذا كنا قد درجنا على النظر إلى هذه النوعية من الكتابات على أنها محاولات من جانب مؤلفيها لتصحيح صورتهم كما يتمنون للتاريخ أن يسجلها، فإن كتاب بوش يبدو لنا بعيداً عن شموخ مد الجسور نحو التاريخ، فهو لا يعدو أن يكون مجرد حملة علاقات عامة رخيصة، رغم أن صاحبها حصد سبعة ملايين دولار لقاء نشر الكتاب، لتلميع صورته وصورة الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه.

في بؤرة الضوء، على امتداد الكتاب، هناك الحديث عن آلية اتخاذ القرار، وهي الآلية التي ارتفعت في الولايات المتحدة إلى مستوى بالغ التعقيد من الاستعانة بمعطيات النظرية السياسية والحصاد الكبير من التجارب الأميركية في غزو مناطق شتى من العالم. ولكننا سنجد أنفسنا، بصفة خاصة، أمام اتخاذ حشود لا تنتهي من القرارات الإجرامية، التي تعتمد القتل والتعذيب وحصد الأرواح كأدوات للتلاعب بمقدرات الأمم ومصائرها، الأمر الذي يجعل هذا الكتاب جديراً بأكثر من قراءة، وعلى أكثر من صعيد.

kamel@albayan.ae