في يوم عرفة ، يوم الحج الأكبر ، اليوم المشهود ، وقد رفع الحجيج أكف الضراعة الى الباري عز وجل يدعونه أملا في رحمته وخشية من عذابه ، وهو غفار الذنوب ، وقابل التوبة... في هذا اليوم العظيم الذي وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرفات يودع المسلمين ، وقد ترك فيهم ما ان تمسكوا به لن يضلوا: كتاب الله وسنة رسوله ، والقى خطبة الوداع والتي كانت بمثابة البوصلة التي يهتدي بها المسلم ، في سفره الطويل ، اذا ما ادلهمّ الليل ، وثار غبار الفتن.. مؤكدا عليه الصلاة والسلام وكأنه يرى ببصره وبصيرته ما يجري اليوم من سفك دم الابرياء ، على يد الضالين المضلين ، الذين يحاولون ان يختطفوا الاسلام العظيم ، دين المحبة والالفة ، والتقارب والحوار..

"دم المسلم وعرضه حرام" ويضيف عليه الصلاة والسلام "اوصيكم بالنساء خيرا" ، مؤكدا بأن الاسلام العظيم قد سبق كل الشعوب والامم والحضارات في الحفاظ على حقوق الانسان ، وعلى حقوق المرأة ، وانزلها منزلة عظيمة تقديرا لعطائها ، وتضحيتها "فالجنة تحت أقدام الأمهات".

في هذا اليوم المبارك ، والالسن تلهج بالدعاء الى الباري بأن يفك كرب الأمة وينصرها على اعدائها ، وهم كثر.. نتذكر أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، وما تتعرض له من اعتداءات غاشمة حاقدة من العدو الصهيوني ، ورعاع المستوطنين ، ومخططاتهم الخبيثة التي تهدف الى هدم المسجد ، لاقامة ما يسمى بالهيكل المزعوم على انقاضه ، وبالفعل فقد أدت الحفريات ، والانفاق تحت الاقصى الى تشققات في جدرانه وفي الاساسات وفي الاعمدة التي يقوم البناء عليها ، ما يعرضه للانهيار ، وهذا ما يخطط له العدو الصهيوني في ظل دعم اميركي غير محدود ، ونفاق اوروبي ، وغياب عربي غير مبرر.

لقد عمل الهاشميون الأبرار ومنذ ان بشر الحسين بن علي ملك العرب وشريفهم بالنهضة العربية ، فقام بالتبرع لصيانة وترميم المسجد في اواخر العشرينيات من القرن الماضي ، وعلى هديه المبارك سار الابناء والاحفاد ، فأسسوا صندوقا لهذه الغاية ، ما يعني ديمومة العناية بالمسجد وقبة الصخرة ، وقام جلالة الملك عبدالله الثاني مؤخرا ، باعادة منبر صلاح الدين ، وأمر بفرش المسجد بالسجاد الفاخر ، وكل ما يحتاج اليه ليبقى سيدا ، طاهرا ، وشوكة في حلق الصهاينة المجرمين.

لقد حذر جلالة الملك عصابات الاحتلال الصهيوني اكثر من مرة ، من خطورة استمرار الاستيطان في القدس المحتلة ، وخطورة انتهاك الاقصى ، كونه يشكل خطا احمر للمسلمين كافة ، فهو جزء من عقيدتهم ، واية اساءة لاولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، تعني عودة الامور الى المربع الاول ، وتفجير حرب تلد حروبا ، تصيب تداعياتها الجميع ، ما يفرض على واشنطن ، كونها الراعية الوحيدة للسلام ، والحليف الاستراتيجي للعدو ، ان تبادر بنزع فتيل الانفجار.

مجمل القول: في يوم الحج الاكبر ، وتكبيرات حجاج بيت الله الحرام تردد في جنبات عرفات ، ويصل صداها الى كافة الاراضي العربية والاسلامية ، نذكر المسلمين الذين يتوحدون في هذا اليوم الاكرم ، بمأساة القدس والاقصى ، وبالمؤامرات الصهيونية التي يجري تنفيذها لتهويد اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، ونذكرهم بما يتعرض له الشعب الفلسطيني الشقيق من ظلم واضطهاد وعنصرية وحرب تطهير عرقي من قبل الصهاينة ، أعداء الله وقتلة الانبياء.

ونذكرهم بمكانة القدس في العقيدة ، وبتضحيات المسلمين الاوائل ، وبالعهدة العمرية.. نذكرهم بكل ذلك واكثر منه علهم ينفرون لتطهير القدس والاقصى من الرجس الصهيوني.. فقد بلغ السيل الزبى.

"ولينصرن الله من ينصره".

صدق الله العظيم