انعقد المؤتمر الذي اختتم أعماله أواخر أكتوبر المنصرم برئاسة وقيادة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك (أم الإمارات)، رعاها الله، بمشاركات متعددة من وفود الدول العربية الأعضاء في منظمة الأسرة العربية، ولازلت أذكر أن المؤتمر الثاني للمنظمة استضافته أبوظبي في الفترة من 13-15 ذي القعدة الموافق 11-13 نوفمبر ,2008. حيث تم التداول بشأن «المرأة في مفهوم وقضايا أمن الإنسان» من المنظور العربي والدولي

وها هي تونس الخضراء تحتفي بالمؤتمر الثالث تحت شعار «المرأة شريك أساسي في التنمية المستدامة»، والذي استمر لثلاثة أيام، تم التداول فيها حول مضامين كلمات رؤساء الوفود، واللافت للنظر أن هذا المؤتمر صادف ما توصلت إليه الجمعية العامة للأمم المتحدة في مطلع أكتوبر المنصرم للوقوف على تجارب الدول في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية في سياق مفهوم استدامة التنمية.

وكما هو معلوم فإن الاستدامة Sustainability مفهوم استحدثه البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة (UNDP) ليعنى توسيع الخيارات أمام كافة أفراد المجتمع حاضراً ومستقبلاً وتوفير الفرص أمام الأجيال القادمة لإشباع احتياجاتهم المادية والمعنوية، وهو مفهوم تجاوز المفاهيم القديمة للتنمية.

أقول لقد شاع في المؤتمر مناخ فكري لفت الأنظار، ما يؤكد أن أوراق العمل تم إعدادها بشكل ينسجم مع محاور المؤتمر، والشاهد أن مبادرات سمو الشيخة فاطمة كانت عاملاً أساسياً في نجاح هذا المؤتمر، وتكفي الإشارة إلى اقتراح سموها بضرورة إنشاء لجنة للشباب العربي لتعمل تحت مظلة منظمة المرأة العربية، وهي المبادرة التي تفاعلت مع أطروحات الشباب الذين لفتوا الأنظار بمشاركتهم ومداخلاتهم التي نالت إعجاب المشاركين في المؤتمر، فما كان من سمو الشيخة فاطمة إلا أن طرحت مقترحاً حظي باستحسان وتقدير الشباب العربي.

أعود للقول، تطرقت مداخلات المشاركين للتعقيب على كلمات رئيسات الوفود التي تناولت العديد من القضايا المحورية المرتبطة بقضايا التنمية المستدامة مثال المطالبة بتمكين الحقوق الاجتماعية والسياسية والقانونية للمرأة العربية باعتبارها حقوقاً مترابطة يتعذر فصلها عن بعضها البعض، وهنالك مطالبة طرحتها رئيسة الوفد التونسي بما يفيد أن الخلاص من الخوف والفقر والتمييز يمكن اعتباره من الأركان الأساسية لتنمية مستدامة فاعلة، ومن ثم لابد من ترسيخ القناعة في المجتمعات العربية بأنه لا سبيل إلى استدامة للتنمية في غياب المرأة.

من جهة أخرى ورد في البيان الختامي للمؤتمر ما يفيد أن المرأة العربية مازال أمامها شوط كبير يتعين عليها أن تقطعه لتحقيق طموحاتها في ظل سيطرة المنظور الذكوري الذي يتعاطى مع قضايا المساواة والشراكة بكثير من الرفض والإنكار، وفي ظني أن مقاربة قضايا النوع الاجتماعي بإدراجها في صلب العملية التنموية يظل مطلباً ضرورياً في سياق تبني مفاهيم الشراكة والشفافية والتعاون الايجابي بين كافة الجهات الرسمية والأهلية المعنية بقضايا التنمية المستدامة والمرأة، ولهذا لم يغفل البيان الختامي لمؤتمر المرأة العربية الثالث الدعوة لنشر ثقافة حقوق الإنسان والتصدي للتطرف والانغلاق الحضاري، فضلاً عن الدعوة للإصلاح التشريعي في كافة الدول العربية حتى يمكن سد الفجوة بين النص والممارسة لضمان صيانة حقوق المرأة العربية في شتى جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ذلك لأن إنفاذ أي استراتيجيات للنهوض بالمرأة العربية يحتم الاعتراف بدور المرأة كشريك أصيل في الفعل التنموي، وأن دوران عجلة التنمية سيتوقف إذا تم إقصاء المرأة.

بالطبع لم يغفل البيان الختامي الإشارة للآثار السلبية للاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية، فتمت الدعوة إلى مساندة المرأة الفلسطينية دفاعاً عن حقها المشروع في الحياة الكريمة، ولم يغب عن البيان أيضاً الإشارة إلى دور كل من الخدمات الصحية والتعليمية في دفع عجلة التنمية المستدامة بما يفيد أن الرعاية الاجتماعية لا يمكن فصلها عن الفعل التنموي بأي حال من الأحوال، من جهة أخرى جاءت مطالبة بأهمية الشراكة والتشبيك بين مؤسسات العمل الاجتماعي، وهي مطالبة توافقت مع الدعوة إلى استحداث جائزة تنافسية تمنح من قبل منظمة المرأة العربية لأفضل جمعية نسائية ناشطة في ميادين إصحاح البيئة وحمايتها.

كما أوصى المؤتمر بأهمية تنظيم منتدى للحرفيات العربيات ليتسنى لهن الارتقاء بخبراتهن ومهاراتهن الإبداعية لدعم التنمية المستدامة عبر تسويق منتجاتهن في الأسواق العربية، وجاء في حيثيات البيان الختامي دعوة صريحة لتمثيل المرأة في جميع مستويات صنع القرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتشريعي، وبالطبع لم يفت على جميع المشاركين إبداء الشكر لرئيسة المؤتمر السيدة ليلى بن علي حرم رئيس الجمهورية التونسية على احتضان المؤتمر، والمعروف أن تونس من أوائل الدول العربية التي قطعت شوطاً بعيداً في إقرار حقوق المرأة وتكفي الإشارة أن مدونة الأحوال الشخصية التونسية التي منحت المرأة حقوقاً غير مسبوقة.

بقي أن أقول إن قيادة سمو الشيخة فاطمة وحضورها الشخصي للمؤتمر، كان من أهم عوامل نجاحه، فلولا جهودها ومبادراتها ودعمها السخي، لما كان لمنظمة المرأة العربية أن تقف على أرض صلبة.