يسألني ما بك ومم تشكو؟ فأقول له: كفى هذا الجسد ما حمله من الهموم والأعباء التي أنهكته بعد هذه السنين الطويلة، فهي تهدّ الجبال وتفّل الحديد، وأنا أعجب كيف تحمّل جسدي كل ذلك.
لا أريد هنا أن أستعيد كلام المتنبي (وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام). فهذا القول لا يأتلف مع تصوري لنفسي ورؤيتي للأمور. فأنا لا أعتبر النفس سجينة الجسد أو أن الجسد لا يستجيب لرغبات النفس، كما لا أقتنع بالكلام على النفس بمنطق الكبَر والتعالي. وإنما أعتبر أن الجسد هو أسير النفس بمطامعها وهواجسها ونزواتها، ولو تفكر الإنسان في ما توسوس له نفسه، لخجل من نفسه أو سخر منها.
ثم يسألني إنك تتحدث عن جسدك وكأنه غيرك. وأقول في هذا الخصوص، بأن علاقتي بجسمي ملتبسة. فأنا أشعر أحياناً بأنني لست سوى جسمي، وبأن ما قاله ابن سينا، ومن بعده ديكارت، عن إمكان تخيّل المرء لذاته من غير جسد أو كيان مادي أو مرتكز طبيعي هو مجرد وهم.
ولكني أشعر من جهة أخرى بأن ثمة فاصلاً بيني وبين جسدي، بل بيني وبين نفسي، هو الذي يتيح لي أن أتحدث عن جسدي بوصفه موضوعاً لذاتي، بل هو الذي يجعلني أفصل بين نفسي ونفسي، فأفرق بين جانب وجانب أو مستوى وآخر.
ومن المعلوم أن النفس، بحسب نظرية فرويد، تتركب من ثلاث طبقات: الهو ويشير إلى مركز الغرائز والشهوات؛ والأنا الأعلى ويمثل الضمير الذي هو الرقيب الداخلي؛ والأنا التي توازن بين الغريزة والفضيلة. وفي الخطاب القرآني أشارت الآيات إلى ثلاث نفوس: الأمّارة، اللوّامة، المطمئنة.
هذه الواقعة الأصلية، أعني الازدواجية في الحديث عن النفس، تشكل نقطة عبور فاصلة بين عالم الإنسان وعالم الحيوان. إذ الحيوان، وإن شعر بكينونته، لا يستطيع أن يشير إلى نفسه أو يعبّر عن أناه.
ولا أتحدث هنا عن قطيعة نهائية بين العالمين. فنحن ما دمنا نقيم في أجسامنا، فإننا نخضع في النهاية لقوانين الفيزياء التي يخضع لها الحجر، أو للآليات البيولوجية التي تخضع لها الكائنات الحية. وهناك اتجاه فكري آخذ في التبلور، يعيد أصحابه النظر في مسألة الفصل الحاسم بين الإنسان والحيوان، إلى حدّ يدعو البعض إلى أن يتساءل، ليس فقط عما يشعر به الحيوان؟ بل أيضاً عما يفكر فيه؟
أياً يكن، هل الأصل الذي يجعلنا نتحدث عن أجسادنا أو نفصل بيننا وبين أنفسنا، هو مجرد فراغ أو هوة؟! لمَ لا؟ فها هي الفيزياء الكونية تقول لنا بأن الكون قد ابتدأ من فراغ، وأنه كان، قبل الانفجار الكبير، أصغر من الذرة بمليارات المرات، فإذا به يتوسع لكي ينطوي على مليارات المجرات.
والمهم أنه عندما نحاول اكتناه ما يوجد، لا نصل إلى حقائق ثابتة أو معارف يقينية. هذا ما يظهر على جميع المستويات. فعلى مستوى الطبيعة تعدّى البحث عن الذرات والكواركات إلى ما دونها، كما تعدّى على مستوى الحياة الجينات والجزيئات إلى ما أصغر وأدق، أي إلى ما يستعصي على الشرح والوصف. وهكذا، كلما أمعنّا في التحليل والتشريح، ازدادت حيرتنا وقلّ يقيننا. وفيما كان العلماء يقطعون بأن أصل الحياة كامن في الخارطة الوراثية، ها هو أحدهم يشكك بذلك قائلاً: لا الجينة ولا الخالق، بمعنى أننا ما زلنا بعيدين عن الوصول إلى السر والقبض على الحقيقة.
هذا ما يحدث، خاصة على مستوى الإنسان نفسه، حيث التحليل والتفكيك، يصل دوماً إلى ما لا يمكن القبض عليه للتيّقن من معرفته أو التثبّت من هويته، سواءً على صعيد الفرد أو الجمع. والشاهد أن كل هذه الترسانة من النظريات والتقنيات في التشخيص والمعالجة لم تخفف من الاضطرابات النفسية. وها هم علماء الاجتماع يتساءلون عن جدوى علمهم وسط كل هذه الأزمات التي يتولد بعضها عن بعض. وكأن الكون هو تكثيف لما لا يوجد، أو أن المعنى هو لأم ما لا معنى له، أو أن الهوية هي كسورها وشظاياها، أو أن الحقيقة هي أوهامها ومفارقاتها، أو أن الإنسان هو مآزقه وفضائحه...
وكل ذلك يحملنا على مراجعة التصورات المركزية التي نتمثل من خلالها الوجود والعالم والحقيقة والهوية. وهذه المراجعة تتم بتجريد المفاهيم من خلفياتها الماورائية وماهياتها المطلقة، سيما بالنسبة إلى المفاهيم المتعلقة بالزمان والمكان التي خضعت للتغيّر منذ ظهور نظرية النسبية على يد أينشتاين.
واليوم تنقلب المعطيات، إلى حّد جعل بعض العلماء يسقط ثنائية الزمان والمكان من الحسبان في تفسير الأشياء، كما يذهب إلى ذلك عالم الفيزياء كارلو روفيللي وآخرون يعتبرون أن المكان ليس إطاراً حاوياً للأشياء يسبق وجودها، بقدر ما يعتبرون أنه لا وجود لزمان مطلق وكلي هو الإطار الذي تجري فيه الأشياء أو المقياس الذي يقيس حركتها ويحدد مواقعها، بحسب ثنائية القبل والبعد، أي وفقاً لنظام الساعة. ما يرونه هو أن لكل شيء زمنه الخاص الذي يقاس بحسب علاقته بسواه، وأنه لا وجود إلا لحقول وأشياء تنشأ بينها علاقات هي التي تحدد مواقعها وحركتها وتطورها. الأمر الذي ينقلنا من النظرية الماهوية إلى الفهم النسبي العلائقي. وبحسب هذا الفهم الجديد ليس العالم، بأشيائه وكائناته، سوى علاقاته وتراكيبه أو تجاوراته وتراكباته...
وهكذا ما عادت الأشياء تقارب أو تفهم بنفس الطريقة أو، بنفس اللغة المفهومية، أو بنفس الآليات المنطقية. هناك أكثر من منطق، الأمر الذي يتيح تجاوز الثنائيات الألفية، كثنائية الوجود والعدم، بحيث نتخطى السؤال الفلسفي الذي شغل العقول، منذ القِدم، وكما صاغه سبينوزا أو طرحه هيدغر: لماذا كان وجودا ولم يكن عدما؟ هذا السؤال هو من مسبقات الفكر وعاداته. وكما اعتدنا على أن ندرك الأشياء من خلال ثنائية القبل والبعد في الزمان الذي قد يكون مجرد وهم، كذلك، فإن إدراكنا الأشياء من خلال ثنائية الوجود والعدم والأشياء قد يكون هو أيضاً مجرد وهم على المستوى الكوني.
نحن إزاء عالم ما بوسعنا دركه هو محاولة فهم بنيته وسيره وكيفية اشتغاله. على المستوى الإنساني، لم يعد السؤال أكون أو لا أكون؟ بل كيف أكون؟ كيف أمارس وجودي من خلال علاقتي بنفسي وبالآخرين أو بالأرض والطبيعة والكون؟
هذه هي المشكلة التي نهرب من مواجهتها، لكي نطرح أسئلة لا جواب عنها أو نتخيل سيناريوهات للنشأة تزيّن لنا أن بإمكاننا القبض على سرّ الكون والخليقة والحياة، بحيث تجعل من الإنسان خالقاً، أو قادراً على إعادة الخلق أو استئنافه. هذا في حين يبدو الإنسان عاجزاً عن تدبر نفاياته السامة التي تكاد تلوث الكوكب، عجزه عن وضع حد للعنف المتصاعد على الساحة العالمية. فالأولى أن نهتم بما يجعل الحياة بين الناس ممكنة بأقل قدر من الخراب المعنوي والمادي. باختصار: ثمة وجود ها هنا وفي الآن، يحسن تدبره، في مواجهة ما تفضي إليه مشاريع الإنسان من المساوئ والمخاطر والكوارث.