على أن مقولات المنطق السياسي وأعرافه تبقى صالحة حتى يتم اختبارها في منطقتنا العربية، فإن ما يجري يستأهل اجتراح مقولات جديدة خاصة بنا، ربما في مراحل تاريخية ما تعمم ويبنى عليها، جرياً على الصورة الشاعرية للمآسي الخاصة بنمو زهرة بين أنقاض الخرائب.

لطالما كنا متفائلين جداً بالوضع اللبناني، ولطالما قرأنا وكتبنا عن تباشير مخرجات هذه التجربة الغنية بالتنوع العرقي والطائفي وتداعيات التناقضات السياسية والاجتماعية المحتدمة غالباً والمسترخية أحياناً. نعم، كنا متفائلين بمقولة مفادها أن تفجير التناقضات هو أولى مراحل لململة تداعيات هذا التفجير، ولكم استحضرنا أشعار المتنبي في ما خص المخاطر الجسيمة لتقطيب الجرح على ما فيه من أوساخ وأدران، وما يصح من ضرورة تنظيفه أولاً تمهيداً لإبرائه.

قسنا على ذلك بأن ترك التناقضات الحادة في المجتمع العربي مضغوطة تحت السطح بفعل قوى خارجية أو أنظمة داخلية، أشبه بقنبلة موقوتة كامنة في انتظار لحظة تراخي القبضة الضاغطة لتنفجر مطيحة بكل شيء. نعم استبشرنا بالوضع اللبناني ما بعد تفجير التناقضات هذه عبر الحرب الأهلية المقيتة، بقينا مستبشرين في انتظار نضوج الظروف الذاتية للأطراف الداخلية والموضوعية للأطراف الخارجية.. حتى انفجرت الساحة العراقية، فانقلبنا مجدداً إلى الحيرة وتمحيص المقولات.

ها نحن مجدداً برفقة تراثنا الفكري في مواجهة تحديات راهننا الغرائبي: ماذا يقول هذا التراث التنويري عن الاستبداد وكبته لإبداعات العباد؟

رحل نظام الرؤية الواحدة عن العراق، وتحرر من نير الاستبداد، وانزلق المجتمع العراقي برمته إلى دوامة تفجير التناقضات العرقية والطائفية الكامنة منذ «سايكس- بيكو»، وترقبنا مجدداً أن يفضي هذا التفجير إلى مجتمع صحي أبرئت كل جروحه بعد تنظيفها من الداخل، وما زلنا نترقب حتى اللحظة.

كلما مشى العراق خطوة نحو استعادة قراره المستقل وهويته الوطنية، مشت معه مقولات السيارات المفخخة التي تتكشف يومياً الشبهات السياسية وراءها، وبات جلياً أن كل طرف يسعى لإلغاء الآخر سياسياً بعد إلغاء «البعث»، حتى لو كانت الوسيلة التلويح بكومة من الآليات المفخخة. كل الأمم التي سبقتنا تمكنت من صهر تناقضاتها الشاملة في نظام ناضج بعد ضبطها في إطار أمني عام يحفظ للكل حقه في التعبير والاحتفاظ بهويته الخاصة، وتشكيل ما شاء من التجمعات التي لا تقترب من خط الانفلات خارج الدولة والمجتمع، فما إن يذوب اللاصق بين مكونات المجتمع والدولة، حتى تنتفي وتنشأ الحاجة إلى قيام كيان آخر أو دولة أخرى.

قوى التفاعل الحر، تفضي إلى ما سلف من النتائج عادة، إذن، لماذا لا يحدث ذلك عندنا؟

الإجابة في بطن السؤال كالعادة، ولا سيما إن كان موجهاً، فعلاً نفتقد لقوى التفاعل الحر، فالتشويشات الخارجية على تفاعلاتنا الداخلية، لم يسبق أن عانت من قدرها أمة من الأمم على مر التاريخ، وهذا امتيازنا المعاصر للأسف.

عوداً على الزهرة الطالعة من الخرائب، فإن ما يتمخض عن تجارب منطقتنا، سيكون ذا قيمة مضافة هائلة لعلم السياسة الحديث، كون المعلومة النظرية ناجمة عن تجربة فريدة التعقيد، أدخلت مصطلحات جديدة إلى القاموس السياسي العالمي من مثل «اللبننة»، وتالياً «العرقنة». صحيح أننا يمكن أن نثري التاريخ بأعقد قضايانا، لكننا قبل ذلك ربما سنكون حروفاً مبعثرة تذروها الرياح، فنستفيق على مصير لم نختره ولم نحصد من ثماره سوى الذاكرة.

ما همنا بتاريخ البشرية يا سادة لبنان والعراق؟ نريد لحظة هدوء فقط، لنعيد ترتيب أسمائنا كي تدل علينا، ونقول لجارنا «مرحباً»، لا «وداعاً».