في ندوة حوارية أعقبت توزيع الملكة رانيا العبد الله جوائز اليونيسيف للإعلام الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خلال حفل أقيم في العاصمة الأردنية عمّان أواخر فبراير عام 2009م، قدم أحد المتداخلين نفسه بصفته مدير إذاعة الأمن العام (أمن FM)!

كان وقع اسم الإذاعة على مسامعنا نحن المشاركين في الندوة الذين نمثل لجنة تحكيم الجائزة من خارج المملكة الأردنية الهاشمية غريباً، في حين أننا لم نلاحظ أياً من علامات الدهشة أو الاستغراب على وجوه الإخوة الأردنيين الذين كانوا معنا في القاعة، الأمر الذي دفعنا إلى التساؤل عما إذا كان يمكن أن تكون للأمن العام إذاعة في وطننا العربي الذي يبعث ذكر (الأمن) في نفوس مواطنيه الرعب، ويجعلهم يتلفتون حولهم ويحبسون أنفاسهم، وعما إذا كان يمكن لإذاعة تحمل هذا الاسم أن تنجح ويكون لها رصيد من المستمعين يحرصون على متابعة ما تقدمه من برامج دون ضغوط من أي نوع.

سألت بعد ذلك عن (إذاعة الأمن العام) التي قدم لنا مديرها نبذة عنها فعرفت أنها من أنجح التجارب في مجال الإعلام الأمني، وبحثت فوجدت أنها استطاعت في فترة زمنية قصيرة اكتساب ثقة المستمعين، وغيرت من مفهوم (الأمن) المرتبط في أذهان كثير من الناس بالبطش والقمع واستخدام القوة، بل إنها استطاعت أن تسحب البساط من تحت أقدام إذاعات ذات تاريخ عريق في مجال العمل الإذاعي في المملكة الأردنية الشقيقة، إلى الدرجة التي دفعت أحد المختصين في الإعلام إلى القول في تقرير نشرته صحيفة (دنيا الوطن) الإلكترونية إنه يشعر بالدهشة أن تتمكن إذاعة لجهاز أمني من اكتساب ثقة المواطنين، وإنه لأول مرة يسمع أن دولة أطلقت إذاعة لجهاز أمني، فمثل هذا المشروع يفترض أن يحكم عليه بالموت بمجرد التفكير فيه.

ما جعلني أذكر هذا الموقف هو إطلاق إدارة الإعلام الأمني في الأمانة العامة لمكتب الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، الأسبوع الماضي، دوريات «إعلام أمني» تغطي جزيرة أبوظبي على مدار الساعة، في مبادرة غير مسبوقة على مستوى المنطقة، حيث وجه سموه بضرورة تقديم الدعم اللوجستي لوسائل الإعلام في موقع الحدث، والاهتمام بنوعية وجودة المواد المصورة للدوريات المجهزة بأحدث الوسائل التقنية والبشرية لتزويد العاملين في مجال الإعلام بالأحداث المهمة، التزاماً من وزارة الداخلية بمعايير الشفافية، وبما يضمن سلامة العاملين في هذا المجال.

إطلاق هذه الدوريات التي تجوب جزيرة أبوظبي طوال اليوم، وتتلقى البلاغات من غرفة العمليات المركزية التابعة للقيادة العامة للشرطة، للقيام بالتصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني، ونقل الأحداث والمتغيرات في أوقات حدوثها، يذكرنا بالمعاناة التي كان يواجهها العاملون في أجهزة الإعلام المختلفة عند رصد وتصوير ومتابعة الأحداث والأزمات والحوادث، حيث كان الكثير منهم يتعرض للمنع من التصوير والتغطية، ومصادرة أدواته أحياناً، نتيجة عدم وضوح الرؤية لدى بعض العاملين في الأجهزة الأمنية، وعدم وضوح التعليمات لدى بعضهم الآخر، الأمر الذي نعتقد أنه في طريقه إلى الاختفاء بعد المبادرات الكثيرة التي رأيناها من قبل وزارة الداخلية وإدارات الشرطة في الدولة، وفي ظل المفاهيم الجديدة التي بدأت الأجهزة الأمنية والشرطية العمل وفقها، وفي ظل الرؤية المستنيرة لسمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان الذي عمل على إزالة الحاجز النفسي بين أجهزة الأمن والجمهور، فجعل غايتها الوصول إلى مجتمع أكثر أماناً، والحفاظ على النظام والأمن، والحد من الجريمة، وإزالة الشعور بالخوف منها، والإسهام في تحقيق العدل بالأسلوب الذي يؤمِّن ثقة الجمهور ويحافظ عليها، والسعي الدؤوب لتعزيز سيادة القانون وحفظ هيبة الدولة، وفقاً لما هو معلن في استراتيجية وزارة الداخلية.

لقد تجلى اهتمام وزارة الداخلية بالإعلام منذ تأسيسها في إنشاء إدارة للعلاقات العامة، عملت على ربط الوزارة بأجهزة الإعلام المختلفة، وإنتاج برامج إذاعية وتلفزيونية متخصصة لمخاطبة الجمهور عبر أكثر وسائل الإعلام تأثيراً، وتنظيم العلاقة بين الوزارة وأجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وإصدار مجلة شهرية منتظمة تحتفل هذه الأيام بمرور 40 عاماً على صدورها، هي مجلة (الشرطة والأمن العام) التي شهدت عبر مسيرتها تطورات مستمرة، وتحديثاً متواصلاً تكلل بتغيير اسمها إلى (999) تزامناً مع تطوير وتجديد محتواها وشكلها بهدف مسايرة العصر وتلبية تطلعات جمهور القراء مع مطلع الألفية الثالثة، بعد أن حددت رؤيتها في أن تصبح من المجلات الأمنية والاجتماعية والثقافية الأولى على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي، وأن تصل إلى كل فرد في المجتمع. وهي تشكل اليوم، مع شقيقاتها المجلات الأخرى التي تصدر عن الإدارات العامة للشرطة في إمارات الدولة، منابر إعلامية للتواصل مع الجمهور، كما عمدت الوزارة إلى التواجد عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية مستهدفة أكبر شريحة من الجمهور يمكن أن تصل إليها.

كل هذا الاهتمام بالجوانب الإعلامية إنما يدل على أن الإعلام أصبح يشكل ركيزة من ركائز العمل الأمني المتكامل الذي غايته مصلحة المجتمع، وردم الهوة الوهمية بين رجل الأمن والمواطن العادي، كي يتمتع المجتمع بالأمن والأمان اللذين هما غاية الأجهزة الأمنية والمواطنين على حد سواء، لأنهما أهم مكتسبات الوطن وأكبر ضمان لاستمرار تقدمه وازدهاره ونهضته. لقد نجح الأمن، خلال السنوات الأخيرة، في اختراق وسائل الإعلام، لكنه اختراق إيجابي من النوع الناعم الذي يهدف إلى التواصل مع كافة فئات المجتمع لتغيير الصورة النمطية التي ترسخت لدى البعض عن رجل الأمن الذي هو جزء مهم وأساسي من هذا المجتمع الذي نعمل جميعاً على حفظ أمنه واستقراره وكيانه.