اليوم يعايش المسلمون في كل بقاع الأرض مشاعر وقوف عرفة مع حجاج بيت الله الحرام الذين سيتوافدون إلى هذا المشعر العظيم التزاما بما فرضه الله عليهم واقتداء بالرسول محمد صلى الله عليه سلم، وفي مشهد قل أن نجد له في الدنيا نظيرا.

جموع من كل حدب وصوب صورتهم الأولى يغطيها لباس الإحرام الأبيض الذي يمتد على أفق المكان فيزيده بهاء ورونقا وجمالا، ويتماهى مع أركان الفريضة فيزيدها حسنا ووقارا، وتمتزج الأصوات المبتهلة لقيوم السموات والأرض على مختلف لغاتها ولهجاتها ملبية راجية وداعية على صعيد واحد وفي وقت واحد.

هذا التجمع الهائل الذي يجمع كل هؤلاء البشر من أمة الإسلام وان كان في جانبه الأساسي يأتي ضمن باب تأدية فريضة الحج كركن واجب لمن استطاع إليه سبيلا، لكنه في جانبه الآخر يمثل قيمة ثمينة إذا ما تداركت العقول سبر المغازي وقراءة المعاني التي تفيض بها هذه المناسبة الدينية بكل تفاصيلها بدءاً من تجريد النيات قبل التوجه إلى المناسك ونهاية بتقديم الهدي والتحلل من ملابس الإحرام وفقا لمنهج معلوم.

من جميل المعاني ورائع الصور بموقف عرفة هو الوحدة الإسلامية بكل جلالها المأخوذ من جلال المشهد، فاجتماع المسلمين على هذا الصعيد وفي هذا اليوم على مرأى الجميع فيه بالغ الدلالة على قوة المقومات التي تمتلكها الجغرافيا الممتدة على مد البسيطة والحاضنة لأكثر من مليار مسلم إذا ما توافرت الظروف لاستثمارها بالشكل الذي يتفق مع حجم الطاقات وتنوع المتاح من الإمكانات، وهنا لسنا بصدد الأحلام وسرد الوهم والجري خلف السراب، بقدر ما نحن بصدد التذكير بأولوية النظر إلى هذه السعة التي تجمع ولا تفرق، ويمكنها أن توحد على مستوى قضايا الأمة الكبرى وتمتلك القدرة على صياغة علاقات تتكامل فيها الأهداف وتتناسق من اجلها الوسائل على قاعدة العمل المشترك الذي يمكن أن يتلاقى عليه الجميع وتتضافر من اجله الجهود .

إن في هذا الاجتماع السنوي من المبشرات ما يستوجب إطالة نظر وتجوال فكر وسير في دروب الباحثين عن الأمل رغم كل الشدائد وحالكات الأمور.. وكل عام وانتم بخير