جاءت الجريمة الصهيونية الجديدة بهدم مسجد الصحوة في بلدة راهط وسط منطقة النقب داخل فلسطين المحتلة عام 1948، في سياق الاعتداءات الصهيونية المتكررة التي طالت عدداً من المساجد على امتداد الأرض الفلسطينية، في سلوك عنصري معاد للشرائع السماوية وحرية العبادة.

في الوقت الذي يسمح فيه للمتطرفين من غلاة الصهاينة ومجموعات الاستيطان بالاعتداء على المسجد الأقصى وباقي مساجد الضفة الغربية، وآخر تلك الاعتداءات قيام مجموعات من قطعان المستوطنين الصهاينة كانت قد أقدمت قبل فترة وجيزة على إحراق مسجد الأنبياء في قرية (بيت فجار) المجاورة لمدينة بيت لحم يوم الثاني من أكتوبر 2010، في سياق المسلسل المتتالي من الاعتداءات اليومية التي تقوم بها عصابات المستوطنين على مساجد عموم مناطق القدس والضفة الغربية.

فالاعتداء على المساجد ليس بالأمر الجديد في القاموس الإسرائيلي الصهيوني، فقد سبق الاعتداء على مسجد الصحوة وتدميره في منطقة النقب، حوادث واعتداءات متعددة، فقد سبق لسلطات الاحتلال أن قامت بهدم عشرات المساجد داخل فلسطين المحتلة عام 1948.

كما قامت سلطات الاحتلال بهدم وتجريف المقابر داخل الأراضي المحتلة تحت حجج واهية، وهذا كله يتنافى مع الشرائع السماوية والقوانين الوضعية التي تكفل حرية العبادة ووجوب احترام وصيانة الأماكن المقدسة.

كما يأتي السلوك الإسرائيلي الصهيوني إياه، ضمن سلسلة من الاعتداءات التي تكررت على فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948، حيث سبق وأن تم تطبيق ما يسمى بقانون «أملاك الغائبين» عليهم وصودرت ممتلكاتهم، كم تم مصادرة الأراضي الوقفية، انطلاقاً من الجهود الإسرائيلية التي تبذل الآن وبشكل متسارع لاحداث التذويب الكامل للهوية الوطنية للأرض والمقدسات وللتراث داخل فلسطين 1948.

حيث امتدت يد الاحتلال لتطال المقدسات الإسلامية والمسيحية هناك، خصوصاً في القرى الـ (450) المدمرة منذ عام النكبة، حيث تحول العدد الأكبر من المساجد فيها وعلى أنقاضها إلى (حانات وبارات) تديرها مجموعات سياحية حكومية صهيونية، أو إلى كنس يهودية في أحسن الأحوال.

ففي مدينة صفد شمال في فلسطين على سبيل المثال، فقد كان فيها قبل النكبة ( 14) مسجداً، تم تدمير معظمها بالكامل، أما ما تبقى منها وعددها خمسة مساجد فقط، فكان مصيرها الزوال أو التحوير، ومنها (المسجد الأحمر) الذي بناه الظاهر بيبرس وهو معلم اثري وديني، وقد تم بيعه من قبل سلطات الاحتلال لجمعية يهودية حولته إلى مرقص وناد ليلي.

أما (مسجد اليونس) ويقع وسط مدينة صفد، فقد بات بعد النكبة معرضاً للرسوم والتماثيل. أما مسجد (الغار) وكان من أشهر المساجد في مدينة صفد فقد تحول إلى كنيس يهودي، كما أن (مسجد حارة الجورة) هو الآخر تحول إلى كنيس يهودي.

وفي مدينة حيفا وقضائها، فقد كان في قرية (طيرة الكرمل) مسجدان الأول هدم بالكامل والثاني تحول إلى كنيس. أما قرية عين حوض التي تحولت بأكملها إلى قرية للفنانين اليهود فقد ضاع مسجدها ولم يبق له اثر.

وفي بلدة قيساريا فقد تحول مسجدها إلى مطعم وخمارة تدل عليها مئذنة ما زالت تدل على قبح الجريمة. وفي مدينة عكا مازال مسجد( الجزار) مغلقًا ومهملاً ويتعرض منذ عام النكبة لاعتداءات الصهاينة خصوصاً المتطرفين منهم. بينما تحول (مسجد البرج) إلى مؤسسة للطلبة الجامعيين اليهود.

وفي مدينة طبريا، فقد بقي فيها مسجدان (المسجد الزيداني) الذي يعتبر روعة فنية جمالية وهندسية فما زال هو الآخر مغلقًا ومهملًا، وهو كحال (مسجد البحر) الذي حولته سلطات الاحتلال إلى متحف. أما في مدينة يافا فهناك (مسجد روبين ) حيث قام متطرفون يهود بتفجير مئذنته مما أدى إلى زعزعة جدرانه حتى بات مهجورًا.

كما أن مساجد قرى قضاء القدس لم تسلم بدورها من سياسات الاحتلال، ومنها مسجد عمر بن الخطاب، ومسجد دير ياسين، ومسجد عكاشة في القدس الغربية الذي حولته سلطات الاحتلال إلى مخزن وتعرض للإهمال وأصبح محيطه المكان الأنسب لليهود لإلقاء القمامة.

وكان قرار حكومة نتياهو الصادر قبل عدة أشهر، والمتعلق بالحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل ومسجد بلال بن رباح في مدينة بيت لحم، وقبر يوسف في نابلس، بضمها لقائمة ما يسمى بـ «المواقع التراثية للشعب اليهودي».

ورصد أكثر من (300) مليون دولار من أجل ما يسمى «تطويرها حفاظاً على التراث اليهودي» قراراً عميقاً، يحمل في طياته ما هو مخفي في سيرة الدولة العبرية الصهيونية، التي باتت تشعر نفسها بأمس الحاجة لإنتاج «تراث يهودي، وهوية يهودية»، على أرض فلسطين، ولو من باب الاصطناع، وان اقتضى الأمر ممارسة لعبة تزييف التاريخ، ومحو الحقيقة القائمة على الأرض، وتغيير معالمها.

وقد جاء القرار الإسرائيلي المشار إليه في سياقات معلومة من سياسات الاحتلال التي مورست عملياً على امتداد ارض فلسطين منذ عام النكبة، في مسار المساعي الصهيوني لخلق «تاريخ وتراث يهودي» على أنقاض التاريخ العربي والإسلامي في فلسطين، يبرر ويقرر ويعزز الرواية الصهيونية، فتم الاستيلاء على المواقع الإسلامية كالمساجد والمزارات والأوابد الإسلامية، وحتى المقابر في كافة مدن وقرى فلسطين المحتلة عام 1948.

وتم تحويلها غالبيتها إما لمواقع استيطانية تهويدية، أو لمواقع وكنس يهودية، وحتى تم تحويل بعضها إلى «مراقص وملاعب وحانات»، وإلغاء وطمس بعضها من كتب التاريخ والذاكرة الفلسطينية والعربية والإسلامية مثل مقبرة (مأمن الله) في مدينة القدس، ومزارات حيفا وطبريا ويافا وقيسارية ومساجدها العريقة.

في هذا السياق، لا بد من القول ان مواجهة المخاطر اليومية التي تصيب الإنسان والأرض والمقدسات في فلسطين، يجب أن تواجه بسياسة عربية وإسلامية مغايرة للسياسات الرسمية العربية المعلنة والمستندة لبيانات التنديد والشجب والاستنكار فقط، سياسة تضمن اتخاذ خطوات فعالة لكسر وشل يد الإرهاب الفاشي الصهيوني، وتفضي باتجاه اتخاذ خطوات عملية جادة انتصارا لله ولبيوت الله التي تُدنَّس وتُحرَق تحت سمع العالم وبصرة.

كاتب فلسطيني/دمشق

bdwan60@scs-net.org