بين خطابه في جامعة القاهرة يونيو 2009، وكلماته في العاصمة الاندونيسية جاكرتا، ضمن جولته الآسيوية قبل أيام، تبدو الإشارات واضحة على انطفاء بريق الرئيس الأميركي باراك حسين اوباما بشأن أهم قضايا العالم الإسلامي التي حاول الترويج لها خارج نطاق الهاجس الأمني الأميركي، ودائرة ما يوصف بالحرب على الإرهاب.

في جامعة القاهرة كان اوباما قبل أكثر من عام يقف مختالا بالحفاوة وشدة تصفيق الحضور وهو يطرح سبع قضايا يجب حلها في الشرق الأوسط، تنوعت بين الحديث عن التطرف وضرورة تضافر الجهود لمحاربته، باعتبار أن العمل العسكري ليس الحل الوحيد للتعامل مع الأوضاع في أفغانستان وباكستان والعراق، مرورا بالقضية الفلسطينية، والحريات الدينية والتسامح، وانتهاء بحقوق النساء والتنمية الاقتصادية.

وفي جاكرتا تقلصت تلك القضايا إلى ثلاث فقط، حيث عبر عن تفاؤله بشأن الديمقراطية والتنمية والتنوع في اندونيسيا وعن أمله في المستقبل. ورغم تأكيده على أن الولايات المتحدة ليست في حرب مع الإسلام، إلا أن حديثه عن الدور الحضاري الذي لعبه الإسلام والمسلمون تاريخيا، والذي أسهب فيه في القاهرة، خفتت الإشارات الدينية، واستشهاده بآيات من القرآن الكريم، في خطابه الاندونيسي.

وبالعودة للقضايا السبع التي حفل بها خطاب اوباما القاهري، نجد أن شيئا منها لم يتحقق، بل تفاقمت الأوضاع، واضطربت البوصلة. ففي محطته الهندية ضمن جولته الاسيوية، راح اوباما يكيل الاتهامات لباكستان بعدم التعاون في مكافحة الإرهاب العابر للحدود الأفغانية، بينما أعلن مساندته ودعمه منح جارتها اللدود مقعدا دائما في مجلس الأمن، والاتفاق على تعاون فضائي ونووي أكبر مع نيودلهي.

وفي الشأن العراقي مازلنا نشاهد الإخفاق الأميركي في إنهاء العنف، وجلب الديمقراطية إلى ربوع الرافدين، مثلما فشل اوباما نفسه في إحداث أي تقدم في ملف التسوية في الشرق الأوسط، رغم ضغوطه المتواصلة على الجانب الفلسطيني، والمهل التي حصل عليها عربيا لتهيئة المناخ لاستئناف المفاوضات المباشرة التي توقفت بفعل الإصرار الإسرائيلي على مواصلة الاستيطان، واكتفى الرئيس الأميركي في جاكرتا بانتقاد باهت من نوع أن الاستيطان يضر بالسلام.

وما إلى ذلك من كلمات عفى عليها الزمن ولم تعد تجدي نفعا في أحداث أي انفراجة على صعيد هذا الملف المعقد، والمرتبط عضويا بباقي الملفات التي تناولها خطابه في القاهرة.

وفي ملف الحريات الدينية، ورغم مطالبة اوباما العالم الإسلامي بإظهار المزيد من التسامح مع أصحاب الديانات الأخرى، لا يزال المسلمون يلقون التضييق، والتمييز ليس في أميركا وحدها بل في العديد من الدول الغربية المسكونة بما يسمى الاسلاموفوبيا، ولم نر من رئيس الدولة القائدة للغرب جهودا صادقة لوقف صراع الحضارات والتصادم المفتعل مع العالم الإسلامي باعتباره العدو الجديد.

وعلى صعيد الديمقراطية، نتساءل ماذا قدمت أميركا، في ظل رئاسة اوباما، للعالم الإسلامي؟ فالانتخابات المزورة تتم تحت سمع وبصر واشنطن وبغض الطرف منها، وقضايا الإصلاح التي بشرت بها يوماً ما لم تعد تتذكرها الا لماما.

أما قضايا التنمية في العالم الإسلامي فقد غابت عن أجندة اوباما بعد أن غرق في مشاكله الاقتصادية الداخلية، التي كانت سببا في هزيمة حزبه الديمقراطي في انتخابات الكونغرس أخيراً.

إذن حالة الوهج، بل وتعويل البعض على اوباما عقب خطاب جامعة القاهرة في أحداث نقلة في علاقات الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي، لم يعد هناك مبرر لها، فقد تلاشت وحل محلها هذا الخفوت الذي سمعناه في صدى خطاب جاكرتا.

نجم اوباما آخذ في الأفول، سواء داخليا، أو خارجيا، ومن العبث أن يبقى البعض تحث تأثير أوهام قديمة، عن قدرة الرجل، ومن في منصبه، فعل شيء، وبشكل خاص في الملف الفلسطيني، حتى ولو منح ألوف الفرص، لتعويم سفينة غارقة.