قرار عودة سفير اليابان ماساهارو كونو إلى موسكو، الذي استدعته وزارة الخارجية اليابانية من موسكو «لبحث تبعات زيارة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف» لجنوب مجموعة جزر الكوريل، لا يعني انفراجا في العلاقات بين طوكيو وموسكو.
فمازالت الحكومة اليابانية تطالب موسكو بأربع جزر من جزر الكوريل، هي إيتوروب، كوناشير، شيكوتان، هابومائي. ولا تزال اليابان تصفها «بالأراضي الشمالية».
فيما تعتبرها موسكو أجزاء من الأراضي الروسية تسلمتها روسيا من الاتحاد السوفييتي. وتحيط بالجزر التي تبلغ مساحتها الكلية خمسة آلاف كم مربع مياه غنية بالأسماك، وتعتبر منطقة استراتيجية عسكرية بالنسبة لروسيا.
ولا شك أن زيارة الرئيس ميدفيديف إلى جزيرة كوناشير الواقعة في أقصى جنوب مجموعة جزر الكوريل، والتي هي أول زيارة يقوم بها رئيس روسي إلى جزر الكوريل، قد وضعت الحكومة اليابانية في موقف معقد للغاية.
فهذه الزيارة تعني تأكيد الكرملين للسيادة الروسية على هذه الجزر، بينما تعتبرها طوكيو جزءا من الأراضي اليابانية. في وقت تحاول كل من روسيا واليابان التوصل إلى صيغة نهائية لمعاهدة السلام التي ترسم الحدود بين البلدين، وكان من المفترض توقيعها منذ عشرات السنين، أي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، لكنها لم توقع حتى الآن بسبب الخلاف على الجزر، الأمر الذي يعني في أعراف القانون الدولي أن روسيا واليابان مازالتا في حالة حرب، وهو أمر غير منطقي بالمرة بالقياس بالعلاقات التجارية والاقتصادية الكبيرة بين البلدين.
وقد أكد الرئيس ميدفيديف حرص روسيا على المحافظة على جزر الكوريل وتنفيذ خطط تنمية في هذه الجزر، مشيرا إلى أن مصالح روسيا ونجاح التنمية يتطلب بقاء الرعايا الروس في جزر الكوريل. وتأتي هذه الزيارة وتصريحات ميدفيديف قبل فترة وجيزة من زيارته لليابان لحضور اجتماع لمنتدى التعاون في آسيا والمحيط الهادئ في منتصف نوفمبر.
ولابد من الإشارة إلى أن واشنطن جددت تأييدها لليابان في نزاعها مع روسيا على ما يسميه اليابانيون «بالأراضي الشمالية»، وناشد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية فيليب كرولي اليابان وروسيا التوصل إلى اتفاق لعقد معاهدة سلام تتضمن حل مشكلة جزر الكوريل وغيرها من المشكلات.
ويمكن القول أن زيارة الرئيس ميدفيديف للجزر لا تستهدف فقط تحقيق أغراض انتخابية للكرملين حول حرص الرئيس على صيانة السيادة الوطنية، وإنما تأتي في سياق مساع لاستثمار منابع للنفط والغاز ومناجم للذهب والفضة، التي كشفت عنها دراسات أجرتها مؤسسات وزارة الثروات الطبيعية.
كما اكتشفت مراكز الأبحاث الروسية منذ عدة سنوات حقلاً للرينيوم على سفح بركان خامد في جزيرة أيتوروب جنوب الكوريل وهو معدن يستخدم في إنتاج الصواريخ البالستية «توبول-إم» الروسية العملاقة.
وكانت الحكومة الروسية قد وضعت منذ أربع سنوات برنامج تطوير جزر الكوريل، تضمن خططاً لتحقيق نمو في حجم الصناعات، وزيادة في متوسط دخل الفرد. كما صادقت الحكومة على تخصيص 630 مليون دولار لتنفيذ برنامج تنمية جزر الكوريل 2007-2015. وتزيد هذه الميزانية عما قررت السلطات اليابانية تخصيصه لجزر الكوريل في حال استعادتها بحوالي 40%.
وتجدر الإشارة إلى أن برنامج التنمية الروسي المذكور يعاني من عقبات، كان أبرزها تناقص التعداد السكاني في هذه الجزر وعدم رغبة الروس في الذهاب للعيش فيها، وأيضا ظروف الأزمة المالية العالمية وتداعياتها، ما أجبر الحكومة على تقليص ميزانيات التنمية الخاصة بهذه المنطقة خلال العامين الماضيين. ويحقق هذا البرنامج حتى الآن إنجازات ملموسة.
ومازالت طوكيو ترفض المقترحات الروسية بتمكين اليابان من توظيف استثمارات في هذه الجزر والتحرك بحرية فيها، إضافة للتنسيق في إدارة شؤونها مع الجانب الروسي، مع الحفاظ على جزر الكوريل ضمن السيادة الروسية.
ويبدو واضحاً أن عدم التوصل إلى تسوية تتعلق بمعاهدة السلام وجزر الكوريل، يعيق كافة الخطط لتنفيذ المشاريع الكبرى المشتركة والاستثمارات اليابانية الضخمة في الاقتصاد الروسي.
إذ أكدت مصادر يابانية رسمية ان حل نزاع الجزر سيفتح الباب أمام مختلف المشروعات الاستثمارية اليابانية إلى روسيا، والتي ستمكن موسكو من تطوير أقاليم الشرق الأقصى القريب من اليابان، وستحقق إفادة لليابان من صناعة النفط الروسية وتقلل اعتمادها على الشرق الأوسط في سد احتياجاتها من الطاقة.
ولعل هذا الواقع يكشف عن نية روسيا تأجيل هذا الملف الذي يشكل عقبة أمام تطوير صلات التعاون مع إحدى أهم القوى السياسية والاقتصادية في شرق آسيا. بهدف اكتشاف النوايا الحقيقة لطوكيو إزاء موسكو ومساعيها لتوسيع دورها في شرق آسيا.
كاتبة روسية