الرئيس الثالث والأربعون للولايات المتحدة جورج بوش له كل الحق في الدفاع عن سجله، ولا تستحق مذكراته أن تنحى جانباً لمجرد أنها من تأليفه. والطريقة التي نظر بها بوش إلى فترة رئاسته في ذلك الوقت وينظر إليها الآن، مستعيداً ذكرياته، تعتبر جزءاً أساسياً من السرد التاريخي.

ربما يقال إنه بالنسبة لرؤساء الولايات المتحدة، أو في الواقع رؤساء الوزراء البريطانيين، فإن عدم ترك مذكرات حول فترة توليهم المسؤولية يزيد من الشعور بالتقصير في أداء الواجب الرسمي. ولكن هناك أمراً خفياً غريباً في نشر مذكراته أخيراً، بعنوان «نقاط اتخاذ القرار».

فالمدافعون عن الرئيس الأميركي السابق يستغلون هذه المناسبة كفرصة للمطالبة بإعادة تقييم رئاسته التي استمرت فترتين. وهم يذهبون إلى القول: قولوا ما تشاؤون عن سنوات جورج بوش في البيت الأبيض، ولكن فلنمنحه فرصة.

بالأساس، فهو رجل لطيف، وكان دائماً طيب القلب. وهو سليل عائلة ارستقراطية، وأصبح ذا شخصية مستقلة. وكان لديه من قوة الإرادة ما يمكنه التغلب على مخاوفه، كان ملتزماً دوماً من الناحية الإيديولوجية، وفيما ارتكب أخطاء أثناء توليه المسؤولية، فإنه أيضاً كان محقاً في العديد من الأشياء أكبر الحق. مثل ماذا؟

وسطية السياسة الخارجية الأميركية في قضايا الديمقراطية والحرية في السياسة الخارجية الأميركية، وما أطلق عليه «الحرب على الإرهاب»، وسيادة الأمن القومي الأميركي.

والموالون لبوش يحق لهم طرح وجهة نظرهم. وغير أن مسألة أن الرئيس السابق يتصف بسمات شخصية مخلصة يجب ألا تضفي الغموض حول مكانته في التاريخ. فلا ينبغي أن يختلط ما هو خاص بما هو عام.

وبوصفها مرحلة سيئة في تاريخ رئاسته، يشير بوش في مذكراته إلى الاتهامات بالعنصرية التي وجهت له إزاء استجابته المتأخرة بشأن إعصار كاترينا، ولكن الحقائق تقول ان أفقر سكان «نيو أورليانز» كانوا على الأغلب من السود.

وقد أهملوا بطريقة سافرة من قبل الإدارة التي تحكم أغنى دولة في العالم، وفشل بوش في إعطاء قدوة تليق برئيس جميع الأميركيين. وربما ليس في جسم بوش ذرة من النزعة العنصرية، ولكن هذا كان عجزاً قاسياً من الدرجة الأولى.

وأنصار بوش يبالغون في قيمة الكثير من الأمور التي كانوا يأملون في تحقيقها، وبوجه خاص الكشف عن أنه تطرق إلى مسألة التفكير في الاستغناء عن نائبه «ديك تشيني» قبل انقضاء فترة ولايته الثانية، كما لو أن بوش قد تم تشويهه ظلماً بأنه لديه العيوب التي تشوب تشيني. ولكن بوش كان الرئيس، وكانت لديه سلطة الاقتراح والاستغناء. وكان تشيني عضواً في إدارته، وليس العكس. فهذا ليس دفاعاً عن بوش بأنه أبقى على تشيني، بل على العكس من ذلك، إنه اتهام إلى حكمه على الأمور.

ورغم ذلك فإن أكبر الاتهامات على الإطلاق تتعلق بالحماس المتهور الذي اتبعه في سياسته الخارجية الأيديولوجية والرضا عن الذات، التي توشك على الإهمال، وهو ما أبداه في التعامل مع الاقتصاد المحلي. وسمح بوش للغضب بإملاء تلك الحرب، بدلاً من الإجراءات القضائية، وكان الرد السليم على أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

فقد فشل في القضاء على فكرة الربط المباشر بين صدام حسين وتنظيم القاعدة، ومضى إلى الحرب مع العراق على فرضية وجود أسلحة، والتي أثبت أنها ليست موجودة، وحاول إخضاع الأمم المتحدة للمصلحة الأمنية الأميركية على نحو ما رآها. وحتى في الوقت الذي بشر بالحرية، فقد سمح باستخدام التعذيب والسجن لأجل غير مسمى دون محاكمة. وبذلك، فقد أثقل المستقبل بالاستحقاقات، وأفسد علاقات الولايات المتحدة مع الدول الإسلامية، وأحدث صدعاً مع أوروبا قد ينظر إليه على أنه مفترق تاريخي.

وعلى الصعيد الداخلي، فقد ورث بوش اقتصاداً مزدهراً جعل الولايات المتحدة موضع حسد العالم. من خلال عدم الاهتمام والتفكير بالتمني، تركها أنقاضاً، وتسبب في تشويه سمعة ليس فقط إدارته، بل عناصر نموذج السوق الحرة، أيضاً. ويترك رئيس أمريكي ناجح بلده والعالم في وضع أفضل. سواء أكان الرجل لطيفاً أم لا، فإنه من خلال الأحكام الكارثية التي اتخذها، حقق عكس ذلك. وبأي المقاييس، يعتبر هذا هو الفشل.

صحيفة «إندبندنت» البريطانية