يلقي الوضع في العراق بظلاله على الأحداث في المذكرات التي نشرت أخيراً للرئيس الأميركي السابق جورج بوش. ربما يميل بوش إلى اعتبار هذا التوقيت سعيداً منذ، بعد ثمانية شهور من الجمود السياسي، مبادرة الزعماء السياسيين في العراق أخيراً الذين يبدو أنهم على وشك إنشاء إدارة للوحدة الوطنية.
أخيراً، بدأ زعيم الكتلة الشيعية نوري المالكي المحادثات مع الأحزاب الكردية في شمال العراق. ومن المتوقع متابعة مفاوضات مع كتلة العراقية التي يدعمها السنة بزعامة إياد علاوي لمتابعة في وقت لاحق. فلو أن هذه المحادثات تمت بنجاح (وما زالت هناك عقبات يجب التغلب عليها) فإن الحكومة العراقية الجديدة ستحظى بدعم جميع تكتلات القوى الرئيسية في العراق.
رغم أن هذا سيمثل تقدماً. فإن بوش ومهندسي غزو العراق، عليهم الحذر من اعتبار هذه التطورات كدليل للمهمة في عام 2003. انحسر العنف في العراق بشكل حاد منذ 2006-2007،عندما انغمس السنة والشيعة في حرب أهلية وحشية.
ولكن يبقى العراق مكاناً تحفه المخاطر بشكل استثنائي، في الوقت استهدفت سيارتان مفخختان الحجاج الشيعة في كربلاء والنجف أظهرت أخيراً. ربما يكون تنظيم القاعدة فقد دعم مجتمع السنة الرئيسي بعد الإفراط في التدخل في العراق قبل ثلاث سنوات، ولكن التنظيم يحتفظ بوضوح بقدرته على شن هجمات قاتلة.
وبالنسبة للأقليات الدينية في العراق، فإن الظروف لاتزال وحشية، كما كانت عليه في ذروة الحرب الأهلية. فمن جانبه،حض زعيم المسيحيين في العراق «داود أثاناسيوس» المجتمع المسيحي بأسره على الفرار من البلاد أخيراً. وقال إن الدولة العراقية عاجزة عن توفير أدنى حد من الحماية لهم.
هذه هي النقطة الحاسمة حول الوضع الحالي في العراق. فبينما دعا قادة الدول الغربية مثل بوش إلى تقسيم الانتخابات في العراق إلى مراحل، إلا انهم يتجاهلون حقيقة أن الإدارات التي تنتجها تلك الانتخابات كانت فاسدة ويعتريها الخلل. ويعتبر الكثير من القادة العراقيين من وجهة نظر السكان حفنة من المبتزين الذين لا يضاهي جشعهم سوى عدم كفاءتهم.
إن أي إدارة جديدة من غير المحتمل أن تجري أي تحسّن على جبهة الحكم. رغم أن وجود حكومة وحدة وطنية ينبغي أن يقلل من فرص انزلاق العراق مرة أخرى في هوة الحرب الأهلية، فإن مثل هذا الائتلاف المتنوع من المرجح أيضا بأن يستغرق وقتاً طويلاً لاتخاذ كل قرار اقتصادي هام فيما يتعلق بمستقبل العراق.
وهؤلاء الساسة الذين قدموا عددا من الوظائف أقل مما كانوا يتوقعونه،فعلى الأرجح يعتبرون أنفسهم في جبهة المعارضة، بدلاً من أن يكونوا جزءاً من الحكومة. الجمود يمكن أن يستمر. وليس هناك مبرر بأن نتوقع أن النهب الشامل لموارد الدولة من جانب الوزراء الفاسدين سوف يتوقف الآن.
وثمة عامل آخر ينبغي أن يعطي لمؤيدي غزو العراق في عام 2003 فرصة للتريث، وهو أن قوى مجاورة لها مزيد من النفوذ في العراق أكثر من الولايات المتحدة، رغم وجود بقايا للقوات الأميركية في العراق. وقد أفضى الغزو الغربي للعراق إلى تعزيز أيدي الأنظمة ذاتها التي تهدف إلى التقويض.
ويظل العراق مجتمعاً ممزقاً، ومصاباً بإراقة الدماء الطائفية، وخاوياً من الداخل نتيجة الفرار الجماعي للطبقات المتوسطة من العراق. فلو أن هناك بوادر أولية على أن العراق، أخيراً، قد بدأ تصويب مساره، فإن هذا ليس شيئا ينبغي على بوش وزملائه من المحافظين الجدد أن يستمدوا منه أي شعور شخصي بالتبرير.
صحيفة «إندبندنت» البريطانية