الكل، داخل العراق وخارجه، قريباً كان أم بعيداً، فرح لتوصل السياسيين العراقيين لاتفاق على تقاسم السلطة، والكل أمله أن تسير قاطرة البلد المعطلة منذ ثمانية شهور.. ولكن ما جرى في الجلسة البرلمانية من مقاطعة البعض لما رأى فيه نكثاً للاتفاق، يجعل القلق حقاً مشروعاً لكل غيور على العراق.

فهذا البلد الذي كان موطن أول أبجدية وأول شرعة قوانين، لا يزال غارقاً في مستنقع تفسيرات متضاربة لبنود دستورية قد يراها البعض بديهية، ولكنّها عند الساسة العراقيين مقدمة لسجالات كر وفر، حتى لو كان الضحية البلد.

ومن هنا كان التهليل لاتفاق الساسة على توزيع المناصب الرئاسية، على رأس الجمهورية، وعلى رأس السلطة التنفيذية، وعلى رأس السلطة التشريعية.. والسؤال: أين السلطة القضائية من كل هذا؟

فهذه السلطة، بنزاهتها وسموّها فوق الطائفية والحزبية هي الضامن الأول لدوام البلد، ولكنها في الحالة العراقية كانت السبب وراء المتاهة التي تاه فيها العراق والعراقيون طوال ثمانية شهور في تفسير من فاز بالأغلبية في مجلس النواب.

وغياب الإشارة إلى هذه السلطة عن حوارات الطاولة المستديرة وما سبقها وتبعها، قد يشي بأن السياسيين العراقيين لم يضعوا أيديهم، بعد، على الخلل.

فإصلاح السلطة القضائية وتنزيهها عن أمراض الطائفية والمذهبية والقومية والجهوية والعشائرية هي الخطوة الأولى، بل الأولوية، في إصلاح العراق. فمن المسلمات أن العدل أساس الحكم.. فإذا اختل الأول اهتز الثاني.. وعليه يجب رفع القضاء العراقي فوق كل معارك سياسية حتى لا نعود إلى متاهة تفسير الدستور بعد نحو ثلاث سنوات.

وهنا، لا بد من التأكيد على ضرورة إبعاد الحكومة عن المحاصصة، فقيام البلد يتطلب، بعد سبع سنوات من العهد الجديد، حكومة تكنوقراط تضم كفاءات متخصصة لإنجاز ملفات عالقة كثيرة لن يستطيع حلّها سوى المتخصصين، ومن دون ذلك ستتضخّم الحكومة وتكون ضحية «ترضيات» لهذه الفسيفساء الحزبية العراقية، والطائفية كذلك.

وهكذا، فرح الجميع لحل مشكلة تشكيل الحكومة العراقية، ولكنهم باتوا أكثر قلقاً من أن تكون الانتخابات المقبلة حبلى بتكرار هذا السيناريو.