أخيراً، رفض الناخبون الأميركيون محاولة الرئيس الأميركي باراك أوباما لإعادة تشكيل أميركا بصورة أوروبا المنفجرة داخلياً، ليس فقط بالأغلبية الساحقة التي حصل عليها المرشحون الجمهوريون في مجلس النواب، ولكن بتفضيل عشرات المحافظين النشطين الذين خاضوا الانتخابات ضد مؤسسة واشنطن.
لماذا هذا التوبيخ شبه التاريخي؟ بسبب الإنفاق الخارج عن السيطرة والاقتراض من دون رادع والاستحقاقات الجديدة الواسعة والديون التي لا يمكن تحملها، كل ذلك في وقت الركود الاقتصادي.
فما هو التالي؟ مثل المدمن المتعافى الذي يلتحق بمصحة من أجل إعادة التأهيل، فإن أميركا مدمنة الديون خرجت لتوها من نوبة الانغماس في الاقتراض، ومضت تستفيق سريعاً، وتأمل بأنه لا تزال أمامها فرصة للتعافي.
لن يكون هذا الأمر سهلاً. فأوباما والكونغرس الديمقراطي راكما ديوناً جديدة تقدر بحوالي 3 تريليونات دولار خلال 21 شهراً فقط، وذلك بعد خوض حملة مخادعة في عام 2008، والتي وعدت على نحو كاذب بكبح جماح عدم المسؤولية المالية الذي كان متفشياً إبان إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش.
لذا فقد تدخل الناخبون ووضعوا أميركا على مسار إعادة التأهيل. ونحن في طريقنا الذي يتألف من ثلاث خطوات إلى التعافي، فإننا كمريض يجب علينا أولاً التخلص من الإنكار، ثم قبول الدواء الصعب، وأخيراً علينا تغيير العادات الراسخة التي تسبب الإدمان.
أولاً، لم يرفض الناخبون جدول أعمال أوباما لأنه كان موغلاً في الوسطية واقترض وأنفق مالاً أقل من اللازم، أو أنه لم يسع بشكل أكثر قوة إلى المزيد من بنود جدول أعمال لا يحظى بعضها بشعبية، مثل نظام خفض الانبعاثات الكربونية والعفو عن المهاجرين غير الشرعيين.
ولم يكن السبب في هزيمة الديمقراطيين عدم قدرة أوباما على صياغة جدول أعماله. الرؤية نفسها، وليس نقاط البحث، كانت هي المشكلة.
لقد فشل أوباما فشلاً ذريعا في الحفاظ على ثقة أميركا. وبعد 21 شهراً فقط، خلصت أميركا إلى أنه متطرف، وأن محاولاته لإدارة الاقتصاد من خلال الاقتراض الهائل والنمو السريع في حجم الحكومة والإنفاق، واضطلاع الشركات الخاصة بدورها والخطب المتتالية ضد قطاع الأعمال والأغنياء كل ذلك قد أدى إلى تحول الركود إلى أزمة ثقة وحالة تشبه الكساد.
ولسبب غريب، فقد اعتقد أوباما أن العلاج لخطة الجمهوريين للإنفاق الكبير، هو الاشتراكية بالأسلوب الأوروبي، فيما أردا الناخبون في الواقع وضع نهاية الاقتراض والإهدار الموروثين من عهد بوش، وليس المزيد منهما.
ثانيا، عدم وجود أوباما لن يكون أمراً كافياً بالنسبة للجمهوريين الفائزين، والكثير منهم سياسيون مبتدئون أو من نشطاء حزب الشاي المتشككين في الحزبين كليهما.
وهؤلاء الدخلاء أبلغوا الناخبين الغاضبين بأن أميركا سوف يتعين عليها التحرك والبدء في مراقبة الإنفاق بطريقة لم ينتهجها الجمهوريون قط كأغلبية في الكونغرس ما بين عامي 2001 إلى 2006.
وربما تكون بداية رمزية جيدة تتمثل في تقليص برامج الرعاية للحيوانات الأليفة، والإعانات الزراعية على سبيل المثال، والتي سينجو الجمهوريون من تأثيرها. وسيكون هذا دليلاً رمزياً على استعداد الكونغرس لاستبعاد المصالح الخاصة القوية. وسوف يتعين أن تكون برامج الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية وبعض برامج الدفاع مطروحة للنقاش.
إذا كان المحافظون يخططون لخفض الضرائب، فلن يكون بوسعهم إقناع الجمهور بأن ما يسفر عن ذلك من نمو متعلق بالعرض في الاقتصاد سوف يحقق في نهاية المطاف المزيد من الأموال والتوازن في الميزانية.
بدلاً من ذلك، منذ البداية، فإن الأغلبية الجديدة في مجلس النواب سوف يتعين عليها أن تطالب بأن نسدد ديوننا أولاً بأول، بمعنى أن كل دولار تتم خسارته من الإيرادات سوف يتطلب خفضاً مقابلاً في الإنفاق الفيدرالي.
يجب أن يكون الجمهوريون على استعداد لتحمل الديماغوغية من قبل أوباما الذي اعتراه الضعف، باعتبارهم من يخفضون الميزانية بلا رحمة، وربما كان الرئيس المستفيد النهائي بخوض انتخابات الرئاسة في 2012، استنادا إلى موضوعية المسؤولية المالية والاقتصادية والأخذ في التعافي.
ثالثاً، يريد الناخبون من الكونغرس والرئيس إنهاء النظام المرضي للقيم، الذي أفضى بنا إلى هذه الفوضى.
وبدلاً من يقوم الرئيس بجولات في الولايات الأميركية لتوزيع المال المقترض على الدوائر الانتخابية المفضلة والتلاعب بمجموعة هوية مقابل أخرى، فالأجدر به البقاء في واشنطن، وتجنب الظهور في محطة «كوميدي سنترال» وبرنامج «ذا فيو»، والخروج مزهواً بخفض الإنفاق الذي لا يمكن الإبقاء عليه من أجلنا جميعاً.
أيضاً لا بد وأن تكون المسألة حرجاً لا شرف بالنسبة لأعضاء الكونغرس من كلا الحزبين فيما يتعلق بوضع أسمائهم على أحدث مشروعات الإصلاح بالمناطق التي يرغبون في كسب ود أهلها. وبدلاً من الرسائل الإخبارية الأسبوعية من واشنطن والتي تفخر بأنها تكسب المنافسة، يفضل الناخبون دليلاً دامغاً على أن حكومتهم أنفقت ما حصلت عليه فقط.
فأي سياسي يمكن أن يعد بمشروع جديد، أو استحقاق موسع أو إعفاء ضريبي خاص باستخدام مال شخص آخر، ولكن رجل السياسة الحقيقي هو من يمكنه أن يوضح على وجه الدقة الطريقة التي يتم بها سداد كل هذا.
و حتى الآن، قال الناخبون انهم سئموا من الديمقراطيين المبذرين. ولكن إذا لم يستوعب الجمهوريون هذه الرسالة المتعلقة يكبح الجماح المالي، فسوف يحل الدور عليهم مجدداً في غضون عامين.
أستاذ في جامعة ستانفورد الأميركية
opinion@albayan.ae
