القاعدة الأولى في أي نضال وطني هو طابعه الجماهيري، أي تلك القاعدة العريضة من الناس التي يستند إليها هذا النضال. ما من نضال من أي نوع وفي أي بلد يمكن أن يكتب له النجاح بدون قناعة قطاعات عريضة من الناس به، أيا كانت شراسة العدو وبلاغته في تسفيه هذا النضال أو الحط من شأنه.

وفي مرحلة ما، يبدأ هذا النضال في اكتساب بعد عالمي، إما نتيجة التعاطف العالمي أو نقل المعركة إلى خارج الحدود، لكن في كل الأحوال، لا يمكن كسب التعاطف إلا عبر التمسك بالبعد الأهم في أي قضية عادلة وهو التفوق الأخلاقي. التفوق الأخلاقي الكامن في صراع شعب ضد احتلال أجنبي، أو حتى ضد استبداد محلي.

لكن التفوق الأخلاقي ليس شعاراً ولا محض صراخ ضد الظلم وانتفاء العدالة، بل هو مسؤولية بالدرجة الأولى. المسؤولية التي تترجم على الأرض في جملة من المقاييس الأخلاقية والممارسات التي يتحلى بها قادة أي نضال وطني حتى حيال أعدائهم.

المشكلة مع عنف تنظيم «القاعدة»، انه خارج كل المقاييس المتعارف عليها للنضال. فتنظيم القاعدة ليس تنظيما جماهيريا مثلا له خطاب سياسي وبرنامج واضح المعالم، بل مجموعة من المقولات والفتاوى.

فتاوى بلغت درجة من الضعف، دفعت إسلاميين وتنظيمات إسلامية (الجماعة الإسلامية في مصر، رجال دين مسلمين كبار) إلى نقدها بشكل صريح ومرير.

أما عمليات التنظيم، فهي لا تتم في مسرح محدد جغرافيا، بل هي عمليات عابرة للقارات. أما العدو فهو ليس محددا، بل كتلة صماء تجمع خليطا لا أول له ولا آخر، جعل من أي شخص في أي مكان من العالم هدفاً محتملا أو ضحية تواجدت عرضا في مسرح عمليات.

فبقدر ما توحي عبارة «اليهود والصليبيين» بتحديد للعدو، رحنا نشاهد أن قائمة الأعداء تتسع بشكل لا يمكن التنبؤ بنهاية لها.

على هذا النحو أضيف للقائمة أعداء جدد: الشيعة في العراق والحق بهم أيضاً المسيحيون العرب، على نحو ما رأينا مؤخرا في العراق في مثال متكرر لما جرى في مصر في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.

استهداف المسيحيين ينم عن خلل خطير في فهم المسؤولية الاخلاقية المترتبة على كل من يقود نضالا وطنيا أو قوميا أو حتى دينيا. بل ان الخلل اخطر بكثير لأن استهداف المسيحيين والمدنيين عموما، يأتي على النقيض من كل تعاليم الإسلام والإرث الذي أرساه المسلمون الأوائل منذ النبي صلى الله عليه وسلم وحتى وقت قريب.

إن عنف القاعدة ليس حرب تحرير مثلا على غرار الأمثلة الكلاسيكية التي يمكن أن نستحضرها سواء في بلداننا العربية (الثورة الجزائرية أو الثورة الفلسطينية، المقاومة الوطنية وتحرير جنوب لبنان).

وليس نضالا سياسيا وليس نضالا جماهيريا (على غرار الانتفاضة الفلسطينية مثلا) ولا يشبه حتى حروب العصابات وأمثلتها البارزة في أميركا اللاتينية مثلا.

بل ابعد من هذا، اثبت قادة وعناصر القاعدة في أكثر من مكان أنهم لا يقيمون وزنا أبدا للجماهير. فالذهنية التي تحكمهم ليست ذهنية جماهيرية، والتنظيم لا يسعى أبدا للعمل وسط الجماهير، بل على العكس يتعامل معها بفوقية وبنزعات استبدادية لا مثيل لها، وعلى استعداد دائم لتوجيه عنفه لها متى ما أبدت أي معارضة.

عنف القاعدة، محض اغتيالات وعمليات قتل تقوم على اعتقاد مسبق بان الجمهور العربي أو المسلم سيتعاطف معها مسبقا بدافع من إحساس متأصل برغبة في الثأر لكرامة مهانة. لكن هل ثبت هذا؟ وهل هو صحيح أصلا؟

لا أظن أن الابتهاج بسقوط قتلى مدنيين في أي بلد في العالم سيبهج إنسانا يتمتع بالحدود الدنيا من السوية البشرية. أن نبتهج لسقوط رجل أو امرأة في شارع في أي مدينة أوروبية، أو مثلهم في دار عبادة مثلما جرى في كنيسة سيدة النجاة في الكرادة ببغداد قبل أيام.

ففي مذبحة الكرادة، كان اقتحام الكنيسة واحتجاز المصلين فيها عملا نموذجيا لنمط تفكير القاعدة ومنطقها الذرائعي الواهي يلحق أكثر الأضرار فداحة على الإطلاق بكل قيمة حقيقية لأي نضال أو حتى شعار نضالي مثل مقاومة المحتل.

ابعد واخطر من هذا، ماذا يمكن ان يتبقى من معنى أو رسالة من هجوم يقوم به مسلمون على مصلين في دار عبادة مسيحية؟

لكي يتبين المرء فداحة الأثمان التي ندفعها جراء هذا المنطق الذرائعي، ليس علينا سوى التفكير في النتائج التي يمكن أن تترتب على اغتيال مصلين في كنيس يهودي في الولايات المتحدة بطرود ناسفة؟

ما الذي يمكن ان تستفيد منه أي قضية من اغتيال مصلين في دار عبادة؟ مجرد رقم آخر في سجل قتلى القاعدة، أما الثمن الباهظ فسيدفعه العرب والمسلمون، أي من يتم القتل باسمهم وباسم قضاياهم العادلة والظلامات الواقع عليهم.

من أين جاء هذا الطابع المغامر لعنف القاعدة وعدميته؟ ألم يستوقفكم مرة أن جميع متطوعي القاعدة وانتحارييها هم شبان صغار في العشرينات من العمر؟ غالبهم تلقوا تعليما حديثا في مدارس خاصة أو جامعات. وغالبا ما يعيشون أوضاعا معيشية حسنة وفجأة يقررون التدين والبحث عن الانتحار.

فمتطوعو القاعدة أو مناصروها، جاؤوا في الغالب بعد ذلك الجيل الذي تطوع للحرب في أفغانستان في الثمانينات. وهم إلى حداثة السن ونقص الوعي الديني والسياسي، يمثلون طفرة في الفكر الجهادي وليس تطورا طبيعيا.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh