يبدو لبنان في قلب العاصفة وهو يواجه الآن مخاطر تفجير الفتن المذهبية أو الطائفية على خلفية الانقسام السياسي اللبناني بين مشروعين عربي وغربي، وفي ظل التوتر المتصاعد العلني والمستتر بين الفرقاء حول الملفات المختلفة.

وعلى وقع التصريحات الصهيونية والغربية التي لا تخفي مقاصدها ومخططاتها الشريرة ضد كل اللبنانيين، وعلى إثر التسريبات الصحافية المنسوبة إلى المحكمة الدولية باتهام حزب الله في جريمة اغتيال الشهيد الحريري، في الطريق إلى سوريا ووصولا إلى إيران.

وما جرى ويجري وسيجري في لبنان ليس منفصلا عن ملف الصراع العربي الصهيوني، ولا عن الصراع الأميركي الإيراني، وبالتالي عما يجري في فلسطين أو العراق أو اليمن أو السودان.

وليس بعيدا بأهدافه عن المشروع الشرق أوسطي الصهيوني الأميركي الذي يستهدف إعادة رسم خرائط المنطقة العربية والإسلامية بتفتيت دولها الكبرى وإعادة تقسيمها على أسس عرقية ودينية ومذهبية لإضعافها وإخضاعها للسيطرة، وحتى تكون إسرائيل هي القوة الإقليمية الكبرى الوحيدة في المنطقة.

استقرار لبنان يتأرجح الآن بين فريقين رئيسيين تحاول المساعي السورية السعودية المحمودة تقريب الهوة بينهما، فريق بقيادة «تيار المستقبل» المدعوم سعوديا وأميركيا.

وفريق بقيادة «حزب الله» المدعوم سوريا وإيرانيا، والانقسام بينهما حول ملفين أساسيين، «شهود الزور» و«المحكمة الدولية»، بتداعيات جريمة اغتيال الشهيد الحريري، الناتجة عن تداعيات القرار الفرنسي الأميركي 1959، الهادف إلى تصفية المقاومة اللبنانية والفصل بين لبنان وسوريا لصالح إسرائيل.

الفريق الأول يرى في التحقيق الدولي طريقا لكشف الحقيقة بمعرفة من هم القتلة، وفي المحكمة الدولية سبيلا لتحقيق العدالة بملاحقة المجرمين، بينما يرى الفريق الثاني أن مسار التحقيق الدولي المليء بالأخطاء والخطايا حتى الآن هو جناية على الحقيقة.

وأن المحكمة الدولية بتكوينها بقرار سياسي دولي مشكوك في سلامته، وبطلب غير نظامي مطعون على دستوريته باسم رئيس حكومة مطعون على شرعيتها ستكون جناية على العدالة.

فأين الحقيقة وما هي العدالة في كل ما تقدم من أقوال وفيما يجري من أفعال دوليا ولبنانيا ؟

يساعدنا في الإجابة على هذا السؤال طرح أكثر من سؤال مثل، من المستفيد من اغتيال الحريري في ذلك التوقيت ؟، من المستفيد من الوقيعة بين سوريا ولبنان ؟، من المستفيد من الفتنة بين السنة والشيعة في لبنان ؟، من المستفيد من عزل سوريا ومن تفجير وتقسيم لبنان ؟، وأخيرا، من هو العدو الرئيسي للبنان ؟

ثم لماذا تخبط المحققون الدوليون وتناقضت استنتاجاتهم ؟، لماذا تم اتهام المحقق الدولي «ميليس» أولا لسوريا، واعتقل الضباط اللبنانيون الأربعة على مدى خمس سنوات بناء على شهادات كاذبة ؟.

ولماذا تراجع المحقق الدولي «بريماريتز» عن ذلك ثم لم يكمل مهمته ؟، ولماذا أفرج المحقق «بلمار» أخيرا عن الضباط الأربعة وكف الاتهام عن سوريا ؟، ثم ما معنى أن يستند الاتهام على شهود زور ؟

ألا يعني ذلك غياب أي دليل اتهام حقيقي، أو أن للتحقيق الدولي استهداف سياسي دولي مسبق؟، وإن الشهادة الكاذبة تسعى لتهريب القاتل الحقيقي باتهام ملفق ضد طرف آخر بريء ؟.

وأن يظل المجرم طليقا ليقتل المزيد ليزيد الفتنة اشتعالا بينما يبقى البريء قيد الاعتقال أو قيد الاتهام لعدة سنوات ؟، وأخيرا أليس ذلك تزييفا للحقيقة وتضليلا للعدالة وهي جريمة تستوجب الملاحقة والتحقيق وعدم الإفلات من العقاب ؟

ثم لماذا حقق المحققون الدوليون باتجاه الفرضية السورية والفرضية اللبنانية المناهضة والمقاومة لإسرائيل مع وجود ما ينفيها وهو أن الشهود كانوا كاذبين باعتراف المحققين والرئيس سعد الحريري، بينما يرفض مجرد التحقيق في الفرضية الإسرائيلية ولا الأميركية.

مع أن القرائن عليها بالشبكات التجسسية «للموساد» في جهاز الاتصالات اللبناني التي أدانها رسميا «الاتحاد الدولي للاتصالات» ناطقة، وبالتصوير الجوي الإسرائيلي صادقة، وبالشواهد والتصريحات والوثائق الإسرائيلية والأميركية والدولية صاعقة ؟، ولماذا يرفض القضاء اللبناني والقضاء الدولي التحقيق مع الشهود الكاذبين قبل صدور القرار الظني ؟..

أليس في مثل التحقيق كشف لمن يحاول إخفاء القاتل باتهام البريء بما يكشف الحقيقة للمحققين ؟

وأخيراً، لماذا تتمسك أميركا باستماتة عبر «فيلتمان» بالمحكمة الدولية بينما لا تعترف هي بالمحكمة الجنائية الدولية ؟، ولماذا فرضت على كل المحاكم الدولية عدم محاكمة الأميركيين؟، وكيف يقول «جون كيري» أخيرا في لبنان: «لا الحريري ولا لبنان بمقدورهم وقف المحكمة الدولية».

بينما «السنيورة» باسم حكومة لبنان هو من أبرم اتفاقية إنشائها، ألا يحق لمن طلب تشكيلها سحب طلبه إذا ما اكتشف أن طلبه كان خاطئا أو مدمرا لكل لبنان ؟!

وفي النهاية لماذا تعترض الدوائر الدولية على القول بتسييس التحقيق الدولي والمحكمة الدولية، ألم يكن قرار تشكيلها من مجلس الأمن الدولي سياسيا باعتباره جهة سياسية لا قضائية ؟، ألا يحق لمن يتابعون كل تلك الوقائع في العالم العربي والإسلامي الشك في سلامة التحقيق الدولي، وعدم الثقة في مصداقية المحكمة الدولية ؟

ولهذا كان الرئيس اللبناني ميشيل سليمان واضحا وشجاعا حين عبر عن مشاعر وشكوك الملايين ممن باتوا لا يثقون في سلامة هذا التحقيق وفي مصداقية تلك المحكمة بقوله من نيويورك على هامش اجتماعات الأمم المتحدة الأخيرة: «إن المحكمة الدولية باتت بحاجة لاستعادة مصداقيتها التي أصبحت على المحك، وباتت بحاجة لتأكيد استقلاليتها بعيدا عن التسييس، والتحقيق في كل الوقائع والفرضيات بحثا عن الحقيقة وليس سعيا للاتهام السياسي».

وإذا أصمت المحكمة آذانها عن هذا الطلب العادل والمشروع من رئيس كل اللبنانيين وواصل المحقق تجاهل التحقيق مع المشبوهين الحقيقيين، واستمر في حماية الشهود الكاذبين، فمن يمكنه التحقيق مع هذا المحقق إذا غيَّب الحقيقة، ومن يمكنه محاكمة تلك المحكمة إذا غيبت العدالة ؟ مجرد سؤال !

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com