في صمت يكاد يكون جنائزياً استقبلت الدوائر المعنية التقرير الصادر، أخيراً، عن منظمة «صحافيون بلا حدود»، وخاصة الصفحات الثلاث، التي يتناول فيها التقرير وضع الصحافة والإعلام بشكل عام في العالم العربي.

والمرء يمكنه فهم الصمت الذي التزمته بعض الدوائر الرسمية العربية، في هذا الشأن، فهو صمت يندرج تحت فئة يكاد المريب يقول خذوني، أو إن شئت الدقة تحت فئة إذا ابتليتم فاستتروا.

لكن ما لا يفهمه المرء هو صمت الصحافيين أنفسهم عن تناول هذا التقرير، وإلقاء الضوء عليه، ومناقشة ما ورد فيه، والعالم الخلفي الذي انطلقت منه وقائعه وترتيباته ونسبه وتوقعاته.

وربما كان الصمت، في هذه الحالة، هو جزء من دائرة جهنمية، فهو نابع من الأسباب ذاتها التي جعلت التقرير كائيباً ورمادياً وموحياً بالتشاؤم.

وأول ما يلفت نظرنا في هذا التقرير هو العنوان الذي يجعله لصيقاً بأوضاع الصحافة والصحافيين في الشرق الأوسط، حيث يبادر التقرير إلى تلخيص هذه الأوضاع في عنوان صارخ مفاده «اتجاه مؤكد إلى التردي».

وإذا شئت أن تبحث عن لمحة واحدة مضيئة في التقرير كله، متعلقة بالعالم العربي، فسوف تجدها في الإشارة إلى أن هناك تحسناً نسبياً في أوضاع الصحافة والصحافيين في العالم العربي في بعض البلاد.

لكن هذه اللمحة المضيئة سرعان ما تخبو، عندما نعلم أن واضعي التقرير يشيرون إلى أن التحسن في أوضاع الصحافة والصحافيين في العالم العربي في بعض بلاد عالمنا العربي في عام 2010، مقارنة بعام 2009، مرده إلى أن هذا العام الأخير كان استثنائياً في سوئه وفي تردي الأوضاع خلاله.

بهذا المعني فإن التحسن النسبي في أوضاع الصحافة في عالمنا العربي هذا العام ليس إلا عودة إلى أوضاع ما قبل 2009، وبالتالي ليس تحسناً في هذه الأوضاع بالمعنى الصحيح.

وإذا كان هناك خط ناظم يجمع معظم دول العالم العربي في هذا الصدد فهو أنها تندرج في ذيل القائمة التي يقدمها التقرير، ولا يقتصر هذا على أوضاع الصحافة وحدها، وإنما يمتد إلى أوضاع الإعلام الرقمي أيضاً.

وفي هذا الإطار العام، أنت على موعد مع تناقضات مذهلة، عليك أن تتوقف أمامها طويلاً، ففي مواجهة العديد من الدول العربية التي تتحدث عن الفضاء الإعلامي الرحب لديها، ودلالاته الديمقراطية البديعة، ستجد التقرير يؤكد تراجع المرتبة التي تحتلها هذه الدول العربية، على وجه التحديد، في إجمالي المؤشر العالمي.

عبثاً تبحث عن دول عربية أحرزت قفزة تصاعدية على المؤشر، أو صعوداً ولو بالزحف في ترتيب الدول، وفي الحالات النادرة ستجد المبرر مذهلاً.

خذ عندك العراق الشقيق، مثلاً، فقد صعد على المؤشر 15 مكاناً، ليحتل المرتبة 130، وقبل أن تملأ الأفق فرحاً لهذا «الصعود» يبادر واضعو التقرير إلى لفت نظرك إلى أنه يرجع إلى تحسن الأوضاع المتعلقة بسلامة الصحافيين نسبياً، لا أكثر ولا أقل. حقاً إنها فرحة أخذها الغراب وطار، ولكنها ليست الوحيدة من نوعها، فمثلها في عالمنا العربي كثير.

وفي قلب الصمت الهادر في عالمنا العربي، من حقنا جميعاً أن نطالب بمصير أفضل للصحافة العربية، لأنها مرآة لحياتنا، لمصيرنا لقدرنا، الذي من حقنا أن نطالب بأن يكون أفضل لنا وللأجيال العربية القادمة.