هل يمكن أن يحول هاجس التوطين والتركيبة والهوية دون اعترافنا بحقوق المهاجرين والمقيمين على أرضنا؟ هل يمكن أن يتنكر البعض لحقوق الأقليات المهمشة فيصبح حالها ليس بأفضل حالا عن حالها في أوطانها الأصلية؟ هل يعيش البعض بيننا في غربة دائما على الرغم من مساهمته الفاعلة في الاقتصاد وفي دفع عجلة النمو، وهل أصبحنا نعيش في هوس الأرقام حتى تحول بعض البشر إلى مجرد أرقام في مجتمعنا؟
وهل تعمقنا في الدراسات المجتمعية التي تقدم لنا حلولاً ونتائج عملية عن عملية التحول الاجتماعي هذه وإفرازاتها الفكرية والحضرية والسكانية على مجتمعنا وثقافتنا وعملية التواصل والانفتاح لدينا؟
قد لا يكون حال الكثير من الوافدين إلى مجتمعنا بأفضل حالا من حال اللاجئين إلى بلدان العالم الكثيرة. فبيننا تعيش جاليات كبيرة تصل أرقام بعضها إلى أعداد مخيفة تمثل أكثر من نصف سكان الدولة، حيث لا يوجد إحصائيات رسمية بهذا الخصوص. فكل الأرقام مبنية على تقديرات وتخمينات. فالرقم الذي يظهر اليوم يعود ويختفي غداً ليظهر بعده رقم آخر، يقدم لنا بعدا آخر عن عملية التحول الاجتماعي في مجتمعنا.
ففي الإمارات ما لا يقل عن سبعة ملايين نسمة هي نسبة أولئك الوافدين إلى مجتمعنا. هذه واحدة من النسب التي ظهرت مؤخرا. وعلى الرغم من كل التحذيرات والصيحات التي أطلقت على مدى أكثر من ثلاثة عقود تنبه إلى خطر ذلك الانفتاح السكاني والهجرات اللامتناهية، الا أنه وكما يبدو للجميع لم تتخذ خطوة واضحة تقنن من تلك الهجرات.
لذا فإننا نواجه اليوم واقعا صعبا علينا التعامل معه بكل عقلانية وتفهم ونضج يمكن أن يكون على رأسه الاعتراف بحقوق تلك المجموعات. فليس كل من يعيش بيننا يحظى بحياة لائقة أو يتمتع بحقوقه الإنسانية.
الكثيرون دخلوا البلاد بصورة شرعية للعمل والإقامة، ولكن الكثيرين أيضا دخلوها بصورة غير شرعية. البعض دخلها بداية بصورة شرعية ولكنه تحول إلى مقيم غير شرعي حين انتهت إقامته ولم يغادر البلاد، وهناك فئة دخلت البلاد خلسة أو تسللا عبر المنافذ البرية والبحرية، وأصبح هؤلاء من وجهة نظر القانون مقيمين غير شرعيين تلاحقهم الشرطة وتطاردهم أجهزة الأمن.
هؤلاء جميعا محسوبون علينا وعلى مجتمعنا وعلينا التعامل مع هذا الملف الحساس بكل عقلانية ونضج آخذين في الاعتبار مصالحنا العليا وسمعة بلدنا.
ويخطئ من يظن أن الهجرة إلى مجتمعنا هي وليدة الظروف الاقتصادية المرتبطة بالنفط والتطور الاقتصادي الذي عرفته المنطقة مؤخرا. فموضوع الهجرة قائم منذ أكثر من نصف قرن عندما تعرضت البلاد إلى انفتاح سكاني آسيوي كاد أن يطمس هوية البلاد الأصلية.
وقد تنبهت السلطات حينها إلى هذه القضية ولكن نتيجة للظروف السياسية السائدة قبل الاتحاد فقد كانت الإجراءات التي اتخذتها قليلة بالنسبة إلى ضخامة الموضوع.
ومع تطور الدولة الاقتصادي أصبح من الصعب التحكم في عملية الانفتاح السكاني الهائل. وقد تبلور حينها تياران رئيسان أحدهما مع الهجرة السكانية لأنها توفر للبلاد موارد بشرية يفتقدها سوق العمل، والآخر مع الحد من هذه الهجرة وتقنينها نتيجة للآثار السلبية المترتبة عليها.
ولكل تيار لديه من الإثباتات والحجج القوية ما يساند رأيه، ولكل منهما أيضا رأي قوي في مصير هؤلاء الوافدين الذين يعيشون بيننا ويساهمون معنا في عملية البناء. ومن الصعب التشكيك بوطنية هذين التيارين فكلاهما مخلص لوطنه غيور على مجتمعه.
فالتيار الأول يرى أننا في هذه الفترة على وجه التحديد لا مناص من الاعتماد على العمالة الخارجية التي نحتاجها لدفع عملية النمو الاقتصادي لا سيما وأن هناك علاقة قوية بين عملية النمو الاقتصادي الحاصل عندنا وبين الانفتاح السكاني.
لذا فلا مناص في الوقت الراهن من تبنى سياسات معتدلة ومرنة فيما يخص الهجرة. أما التيار الثاني فهو يرى أننا بلد صغير لا يستطيع أن يوفر كل مقومات اللجوء البشري لكتل بشرية زاحفة من كل حدب وصوب.
بالإضافة إلى ذلك فإن التركيبة السكانية لا تسمح بإدخال تعديلات عليها لأنها حساسة اجتماعيا. يضاف إلى ذلك أن هذا البلد يعاني من بطالة شبابية لذا فهو غير قادر على امتصاص كل القوة العاملة القادمة دون إفرازات سلبية كثيرة.
وتحت هذه الظروف فالحد من الانفتاح السكاني هو لمصلحة الجميع: مواطنين ووافدين. فعملية الانفتاح غير المدروس سوف تؤدي إلى نتائج كارثية على المجتمع كله اجتماعيا واقتصاديا وامنيا وثقافيا. فنحن نبني عمارات شاهقة وأبراجاً طويلة فقط لملئها بالسكان من جميع الجنسيات والأعراق دون الاكتراث بما سوف يسببه هذا الإغراق على مجتمعنا وتركيبتنا السكانية.
وفي خضم هذا السجال بين التيارين ربما لا نفكر كثيرا في قضية أخرى وهي الظروف الصعبة التي يعيشها من يدخل إلى بلدنا ويفشل في إيجاد فرصة عمل له أو يعيش عالة على المجتمع ولا في الانعكاسات الاجتماعية والأمنية التي يخلقها هؤلاء وانعكاساتها على أمن وسلامة مجتمعنا. فلو تتبعنا، مثلا، الأسباب التي تدفع بالبعض للهجرة إلى بلدنا لوجدنا أن العمل والكسب الحلال قد يكون في أسفل أولوياتهم.
فليس كل من دخل مجتمعنا لديه رغبة صادقة للعمل والإقامة والمساهمة في دفع عجلة النمو. فهناك من يأتي إلى بلدنا فرارا من ظروف اقتصادية صعبة أو حروب أهلية طاحنة أو ظروف سياسية طاردة، وهناك من يأتي بحثا عن وضع أفضل يوفر له الحصول على الجنسية وبعدها الحصول على الامتيازات الكثيرة التي توفرها له جنسية الدولة.
ويمكن أن يثير هذا التوجه بالتحديد الكثير من الهواجس في مجتمعنا مرتبطة بالتوطين وبطالة الشباب وانتشار أفكار وأيديولوجيات معينة وغيرها من الهواجس الأخرى.
نحن لا نريد أن نكون مهووسين بتلك الهواجس التي قد تؤثر على مبادئ أخرى نؤمن بها كالانفتاح على العالم الخارجي، وقبول الآخر والتسامح وغيرها من الأفكار الأخرى، ولكن من الناحية الأخرى نحن بحاجة للمزيد من الدراسات الاجتماعية العلمية الجادة التي تدرس الآثار المجتمعية الناتجة عن وجود تلك الجاليات بيننا وتنامي دور بعضها والآثار الاجتماعية والنفسية التي قد يفرزها هذا العدد الهائل من البشر بيننا.
جامعة الإمارات
