لطالما كان الشعر، ولا يزال، ديوان العرب وناقل ثقافتهم ووقائع حياتهم بين الآماد والأحقاب الزمنية، وكثير من الوقائع التاريخية الشهيرة في حياة العرب وصلتنا عبر قصائد وملاحم تغنى بها العوام والخواص، وغدت جزءا أصيلا من تراثنا المعاصر، وبرهانا أكيدا على أصالتنا وتوغل حضورنا في عمق التاريخ.

والشاعر العماني المعاصر هو امتداد لرعيل من الشعراء الموهوبين الذين يمتلكون القدرة الفنية ، والحاسة الموسيقية ، والحصيلة اللغوية ، التي تمكنهم من قرض الشعر العذب والرصين في ذات الوقت، محملا بوقائع حياتنا المعاصرة في ظل النهضة المباركة ، التي قامت على أساس من المزج بين الأصالة والمعاصرة ، وليس أقدر من الشعر على التعبير عن تلك الأصالة والمعاصرة بأسلوب رقراق يلتحم مع النفس ويتفاعل معها.

وتقديرا لدور الشعر والشعراء في مسيرة النهضة وجوانبها الثقافية والتراثية ، أولى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ الشعر والشعراء العمانيين اهتماما خاصا، وشجعهم على إظهار الكوامن الفنية والأدبية بين ظهراني الوطن، ومن ثم نشأ العديد من المؤسسات الراعية للثقافة والفنون والآداب بمختلف أدواتها ووسائلها في التعبير ، وفي هذا السياق يتم الاعداد لإقامة ندوة الشعر الشعبي العماني أوائل الشهر المقبل لإجلاء هذه الرموز الأدبية العمانية، وتوثيق إبداعاتها.

الشعراء العمانيون بدورهم كانوا ولا يزالون على مستوى الحدث، فهم عاصروا فصول النهضة عبر عقودها الأربعة وسجلوا انطباعاتهم عنها، ووثقوا ذلك المنجز الحضاري الراسخ، ومن ثم فهم يعتبرون سفير النهضة الدائم في محفل التاريخ ، كما عقدت المنتديات الشعرية من قبل لإفساح المجال للمواهب الجديدة للتعبير عن نفسها وتسجيل قناعاتها ومعايشتها لهذه الحقبة المهمة من مسيرة الحضارة العمانية

كما سجل الشعراء خلال هذه المنتديات شعورهم بالامتنان لقائد مسيرة النهضة ، وفرحتهم بالاحتفال بالعيد الوطني الأربعين ومن ثم تتحول قصائد الشعراء العمانيين المعاصرين إلى دواوين تحملها أرفف المكتبات وتحفظها وسائل الحفظ الحديثة على اختلافها لتطلع عليها الاجيال المقبلة ، ويتخذوا من إنجازات نهضة عمان الحديثة القدوة والمثل للاستمرار في الترقي على سلم الحضارة.

كما تتحول تلك الدواوين إلى (قلائد أدبية) كتلك التي تم تدشينها أمس عبر كتاب (القلائد الأدبية في عقود النهضة العمانية) الذي ضم بين دفتيه 160 قصيدة لشعراء وشاعرات تغنوا بحب عمان ونهضتها وقائدها بمناسبة العيد الوطني الاربعين.

لقد أثبت الشعراء العمانيون بقصائدهم (بالفصحى او الشعر الشعبي) أن الشاعر قدرة فنية لم تتجاوزها الأحداث وتطورات العصر الرقمي ومتن من متون التواصل الحضاري عبر الاجيال ، فالشعر يحرك مشاعر الانسان ويربطه بمضمون القصيدة ويسجل بحاسة فنية رفيعة منجزات و(جماليات) الحركة النهضوية العمانية المعاصرة في إطاريها الزماني والمكاني، ويعمق جذور معالمها في الوجدان الإنساني حاضرا ومستقبلا .

كذلك ستبقى هذه المنجزات مجسدة على ارض الواقع كلوحة جميلة ، ملهمة لكل فنان أو شاعر، أيا ما تكون أدواته التعبيرية، ليستقر هذا المد الإبداعي بكافة مكوناته في المكان الذي يليق به في سجل التاريخ ، وليشع بريقه ويعزف نغماته الرقيقة لكل من تهفو نفسه الى الاطلاع على الوصف التفصيلي لحياة (عمان النهضة) عبر عصور المستقبل.