يعتقد كثيرون أن أزمة الفكر والثقافة تكمن اليوم في غياب معلمّي الفكر من أصحاب الأفكار الكبيرة والمشاريع العريضة. ولذا تراهم يقولون لك لم يعد الأمر كما كان في زمن هيدغر وسارتر وراسل، ولا حتى في أيام فوكو ودولوز ورورتي، وسواهم من الأعلام الذين كانوا يتصدرون الواجهة أو يملأون المشهد في هذه العاصمة أو تلك، بل على الساحة الفكرية العالمية.
ولكن الزمن تغيّر. نحن نندرج الآن في زمن التحوّل والتبعثر في مختلف الميادين والمجالات، سواءً على المستوى العالمي أو في النطاق العربي. ولذا فإن عصر معلمي الفكر من البطاركة والزعماء والأئمّة آخذ في الأفول والزوال.
هذا ما يحدث في بلد كفرنسا، حيث تشظت الساحات في مختلف المجالات. ففي الشعر، مثلاً، كان الشعراء يعدون على الأصابع في زمن سان جون بيرس. أما اليوم فهم كُثر. كذلك الحال في الرواية، حيث المشهد في غاية التشتت. وبالطبع هذا هو الشأن في الفلسفة وعلوم الإنسان، لم يعد الأمر يقتصر على عدد محدود من المفكرين يستقطبون الساحة. بل هم يزدادون عدداً، في غير بلد وعلى كل ساحة.
وهذه هي الحال أيضاً في العالم العربي. فالشعراء باتت أعدادهم لا تُحصى في كل بلد من البلدان العربية. وعندما يرحل من تبقى من جيل الآباء، لن نقف على زعماء أو أقطاب. وبالطبع، فالرواية تسير على خطى الشعر، سيما وأنها باتت ديوان العرب. فالإنتاج في هذا المجال يتضاعف سنةً بعد أخرى. كذلك الأمر في ميادين الفكر، سواء في الفلسفة وعلوم الاجتماع أو في النقد وعلوم اللغة، وفي سائر فروع المعرفة. إننا نشهد تزايداً في الأعمال بقدر ما نشهد تكاثراً في الأسماء. وبعد رحيل أصحاب المشاريع الكبيرة كأركون والجابري، ينتهي عصر الأقطاب والبطاركة.
والوجه الآخر لغياب أئمّة الفكر عن الساحة العالمية، هو أفول النظريات الشمولية والروايات الكبرى التي تقدّم تفسيراً شاملاً للعالم والواقع والمجتمع والثقافة، كالماركسية والوجودية والرأسمالية، مثل هذه النظريات تكشفت عن أوهام كثيرة، وربما أفضت إلى مآزق وكوارث، بقدر ما صدرت عن ادعاءات التيقّن والقبض على الأشياء، أو التحكم بمسار التاريخ وسيرورة المجتمعات.
وأعتقد أن هذا ما يحصل في العالم العربي. فالمشاريع الكبرى المتعلقة بالوحدة والحرية والتقدم والهوية تكشفت هي الأخرى عن تهويمات أيديولوجية وتشبيحات نضالية، الأمر الذي أدى إلى انهيار المشاريع والى ترجمة الشعارات بأضدادها. من هنا نشهد اليوم كتابات ودراسات متخففة من غلواء التنظير الأيديولوجي ومن الإدعاءات التي تجعل صاحبها يتوهّم بأن مشروعه الفكري يشمل عالماً أو أمّة أو مجتمعاً أو مجالاً بكامله. مثل هذه المهمة لا يفي بها فرد واحد، لأنها تحتاج إلى فِرق عمل أو إلى مراكز للبحث والدرس.
والوجه الثالث لأفول معلمي الفكر والمشاريع الكبيرة، هو تصدّع مفهوم «النخبة» الذي هو المعادل الحديث لمفهوم «الخاصة» القديم، والذي مارس من خلاله الفلاسفة والمفكرون والعلماء استبعاداً مزدوجاً: الأول للعالم المُعاش، والثاني للفاعلين والمنتجين، بل المبدعين، في بقية المجالات. بذلك مارست النخب احتقار الناس بقدر ما ادعت احتكار الوعي والمعرفة والفضيلة.
هذا الزمن هو في طريقه إلى الأفول. وأنا لا أحنّ إليه ولا أتباكى عليه، كما يفعل مثقفون عرب وغربيون. فالعالم لم يكن مع الفلاسفة ومعلمي الفكر أكثر عدلاً وسلاماً.وما يصح على الفكر الفلسفي، من باب أولى أن يصح على الفكر الديني، حيث ازدادت الأحوال سوءاً مع صعود المنظمات الأصولية وسيادة منطق الفتوى. من هنا العجب، عندما يرحل أحد أقطاب الفكر وشيوخه، أن يُقال بأن غيابه أحدث فراغاً أو شكّل خسارةً فادحة. فكيف يكون الواحد مفكراً كبيراً وعقلاً منيراً، أو إماماً ومرشداً، أو حجةً وآية، وتكون الأحوال هي ما هي عليه من الاضطراب والزيف والتردي والتمزق...
قد يُقال بأن العطل يكمن في أن الناس لا تأخذ أو تعمل بما يقوله أو يرتأيه أصحاب العقول الكبيرة والأفكار النيّرة. ولكن الواقع هو على العكس بالتمام. بمعنى أن العلة تكمن في كون الناس والجماعات تنتظر الخلاص على يد فرد أو قلة من العباقرة والجهابذة والأئمّة الذين ينوبون عنهم في التفكير والتقدير والتقرير في الشؤون الهامة والمصيرية.
لقد دفعت البشرية أثماناً باهظة لمثل هذا الاعتقاد أو الادعاء الذي يقسم الناس إلى مبدعين ومقلدين أو إلى أئمّة وتابعين أو إلى عباقرة وبسطاء، لكي يجعل الواحد يُسدل الستار على عقله ويترك لغيره مهمة التفكير عنه، أي أخص ما يتميّز به الإنسان عامةً. من هنا لا حلول مثمرة ما لم يحمل كل واحد مسؤوليته، كذات مفكرة عاقلة، بحيث يُعمل فكره بصورة حرة حية خلاّقة وفعّالة، لكي يساهم في تدبير شؤونه والمشاركة في بناء مجتمعه، على قدم المساواة مع سواه، بصرف النظر عن اختلاف المهنة والموقع والانتماء، هذا هو الدرس الذي يُستخلَص من أزمة مشاريع الإصلاح والتحديث: لا أحد ينوب مناب سواه في التفكير.
هذا شأن كل فرد فاعل ومؤثر بإنتاجه وإنجازه: إنه لا يقل فاعلية وأثراً عن سواه، ممن تخلع عليهم الأسماء الفخمة والألقاب الكبيرة. ثمّة أُناس، في هذا الزمن، يديرون الأعمال والشؤون، في حقول اختصاصهم، بصورة ناجحة وخلاّقة، بقدر ما يأخذون بعين الاعتبار أنهم ينخرطون في واقع سمته الحركة والتسارع والسيولة. ولذا فهم لا يفكّرون بعقلية المخلّص والمهدي المنتظر، وإنما تراهم يستبقون الأمور لكي يعالجوا المشكلات ويركبّوا الحلول.
بهذا المعنى فهم يفكرون بعقل فعال أكثر بكثير من عقول المثقفين والمنظرين أو الفلاسفة والمفكرين الذين يفكرون بصورة طوباوية، ارتدادية، لكي يتشبثوا بثوابت تحيل هوياتهم الثقافية أو الفكرية أو الأيديولوجية إلى عوائق تهدر الطاقة وتشل الحركة.
لم يعد يجدي الوقوف ضدّ منطق العصر وفتوحاته للتباكي على أزمنة الأقطاب والأئمّة والآيات. فهؤلاء لم يمنعوا الحروب الطاحنة والمجازر البشعة، ولا وضعوا حداً للمصائب والكوارث. ثمّة زمن يتشكّل ليس هو زمن الماهيات الثابتة والهويات المغلقة أو الذوات القابضة والمشاريع الشمولية، وسواها من الادعاءات التي تتصدّع على أرض الواقع. فالعالم الذي ننخرط فيه ينتمي إلى زمن الذوات الفعّالة والهويات العابرة والكيانات المصنوعة والتشكيلات الهجينة والمعالجات الميدانية والتدابير العملية، ولذا فهو زمن خرائطي، علائقي، عملاني.