فجرت جريمة الاعتداء على كنيسة سيدة النجاة في بغداد، موجة غضب ضد المعتدين، وحالة من التعاطف لا نقول غير المسبوقة مع الضحايا الذين كانوا منهمكين في الصلاة داخل دار عبادة، لكن الجريمة تبقى اكبر من الشعور بالغضب، وإبداء التعاطف، كونها تعري التطرف الذي خرج للأسف من بين ظهرانينا، وأباح لقلة من الناس التجرؤ على رفع لواء الإسلام كذبا وبهتانا، لربطه بأعمال إجرامية هو منها براء، وجاء لمحاربتها.

لم يأت الإسلام لنحر الأبرياء، وإراقة دم المسالمين داخل دور العبادة، ولم يحض أتباعه يوما على انتهاك الحرمات، والإفساد في الأرض بدلاً من عمارتها، وإنما كان وسيظل رسالة محبة ودعوة إلى السلام، والعيش المشترك مع أبناء الديانات الأخرى، والدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة، والإيمان بالرسالات السماوية كافة.

وإذا كان الإسلام على هذا النحو، فلابد ان نفتش مجددا في كل ما يحيط بنا، للوقوف على الأسباب التي أخرجت التطرف، ومنحت بعض العقول الحق في تكفيرنا، وإشهار سلاح القتل والدمار في وجوهنا، قبل أن تكون أداة في جلب الخراب والدمار على أوطاننا التي تعاني حزمة من المشكلات التي يفاقم العنف من قدرتنا على تجاوزها.

استهداف الكنائس ودور العبادة، ليس مفتاحا لخروجنا من دائرة الإحباط واليأس التي وصلنا إليها، بفعل تخلفنا عن مجاراة ركب التقدم، الذي سبقنا إليه غيرنا، فيما نحن نقبع في ذيل قائمة النهوض وسط الأمم في عالم لم يعد فيه فسحة للركون والقعود عن الإمساك بناصية العلم والتطور.

قد يجادل البعض بأن ما يحدث في العراق من قتل ودمار على أسس طائفية ومذهبية، جلبه الاحتلال الأميركي لأرض الرافدين، وفي هذا الطرح بعض المصداقية، لكن هل كان لضحايا كنيسة سيدة النجاة دور في جلب الاحتلال إلى وطنهم الذي عاشوا فيه على مدى مئات السنين؟، هل سمع أحد من هؤلاء مناصرة للمحتل، أو دعوة لبقائه؟

. أبناء العراق جميعا بمسلميهم ومسيحييهم، كردهم وعربهم وتركمانهم، عبروا في أكثر من محطة عن تطلعهم لرحيل المحتل، ولا أحد يزايد على البسطاء من أبناء العراق في هذا الأمر.

ثم ما ذنب أقباط مصر فيما يجري في العراق، حتى توجه إليهم رسائل التهديد والوعيد، التي كانت لحسن الحظ، فرصة لتوحيد المصريين، في أعقاب سحابة ضبابية، كادت تفتح أبواب الفتنة الطائفية، فإذا بالأزهر والعقلاء من الغيورين على دينهم الإسلامي، والأقلام الشريفة، قبل أجهزة الأمن ومؤسسات الدولة، تجتمع على تأكيد ان حماية الكنائس مسؤولية الأغلبية المسلمة، التي تفهم صحيح دينها.

حماية دور العبادة، مسؤولية أجهزة الأمن في الظاهر، لكنها مهمة مجتمعية بالأساس، فإعلاء العقل، والاحتكام إلى المنطق، ونشر ثقافة الحب والتسامح التي دعت إليها الأديان كافة، لا يصنعها الأمن، بل المؤسسات المنوط بها تربية الفرد، وإعداده لخدمة مجتمعه، بدءاً من الأسرة التي تآكل للأسف دورها، ومروراً بالمدارس والجامعات، ودور العبادة، ووسائل الإعلام التي يروج بعضها قيماً، للأسف، تصب في نهر التطرف تارة، ومستنقعات الانحلال تارة أخرى.

وأخيراً فإن بعض الأصوات التي دعت مسيحيي العراق إلى ترك وطنهم، والفرار إلى الخارج، إنما تلتقي مع أهداف المتطرفين الذين لا يريدون للشرق قائمة، فمستقبل منطقتنا في تنوعها الاثني، لا بتفريغها من عناصر القوة فيها، والتي كانت يوماً سبباً في الازدهار.

ويخطئ من يظن أن اختفاء المسيحيين أو أية أقلية من العراق أو غيره من بلداننا العربية، سيجلب أي خير، فهو نذير شؤم، وعلامة لركوبنا قطار التعصب الأحمق، الذي سيخرج حتماً عن القضبان، والانزلاق إلى هوة سحيقة، هوت إليها العديد من الأمم التي لم تحسن فهم معطيات النهوض والسقوط.