هل هي مصادفة أن يتزامن اعتذار رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته وحلفاؤه عن اللقاء مع باقي الأطراف العراقية تحت رعاية الجامعة العربية في السعودية بعد موسم الحج وفقاً لاقتراح العاهل السعودي، مع اندلاع موجة الأعمال الإرهابية التي بدأت بالهجوم على كنيسة في قلب بغداد وبالقرب من المنطقة الخضراء التي تضم المسؤولين الكبار في الحكومة العراقية وفي جيش الاحتلال معاً، ثم امتدت بعد ذلك لتشمل أحياء متفرقة في العاصمة العراقية .

وهي تحمل رسالة طائفية لا يمكن إخفاؤها، بل لا يريد أصحابها أكثر من الإعلان عنها ليقولوا إن الحل في العراق ليس مطلوباً أن يكون عربياً، وأن مستقبل الدولة العربية التي كانت حتى وقت قريب تمثل حاجزاً ضد أطماع عديدة لقوى أجنبية سوف يتقرر بناء على النفوذ الذي تملكه هذه القوى غير العربية على أرض العراق المنكوب في ظروف تم فيها إبعاد العرب أو استبعادهم بقرار شارك فيه الاحتلال الأميركي مع قوى إقليمية لا تخفي أطماعها في العراق ولا تتوقف عن توسيع نفوذها على أرضه؟!

الرسالة واضحة، والبديل كما تطرحه هو حمام الدم الذي أغرقت فيه بغداد في نفس الوقت الذي كانت أطراف رئيسية في المعادلة السياسية العراقية تعتذر عن اللقاء تحت راية عربية الذي لم يكن له من هدف إلا المساعدة في تجاوز الأزمة التي لا يعرف العراق كيف يتجاوزها في ظل صراع المصالح على أرضه وثرواته ومستقبله. والجديد في البديل المطروح ليس فقط إغراق العراق في الحرب الطائفية التي لم يغادرها منذ الاحتلال الأميركي.

وليس فقط التهديد بتصدير هذه الحرب إلى دول الجوار، لتمثل مع اليمن (الذي يسير بخطى حثيثة نحو نفس الوضع) فكي كماشة تطبق على المنطقة وتنشر فيها الفوضى التي تبرر الوجود الأجنبي واقتسام النفوذ على الأرض العربية وعلى حساب العرب، الجديد فوق هذا هو إدخال مصر في اللعبة حين زعم الذين قاموا بالاعتداء الآثم على كنيسة سيدة النجاة في قلب بغداد أنهم يتحركون انتقاماً من أقباط مصر، وأنهم سيمدون نشاطهم الإجرامي إلى كنائس مصر وأقباطها بزعم أن الكنيسة المصرية تحتجز امرأتين كانتا زوجتين لكاهنين وقيل إنهما أعلنتا إسلامهما.

قضية خائبة، والمسؤولية عنها لا يمكن أن تكون لتنظيم في الداخل أو الخارج، من هذا الطرف أو ذاك، بل المسؤولية فقط للحكومة وأجهزتها المسؤولة وللقانون الذي يحكم الجميع.

وإذا كانت هذه وغيرها من الأحداث الطائفية العابرة يتم استغلالها منذ سنوات في إطار حملة متواصلة لإشاعة مناخ من التوتر الطائفي في مصر، فإن الغريب هنا أن يتجاهل أصحاب الهجوم المشبوه على كنيسة سيدة النجاة في بغداد وأصحاب الإنذارات الملتهبة لأقباط مصر، أن يتجاهلوا واقع الاحتلال الذي يجثم على صدر العراق والذي راح ضحيته مئات الألوف من المواطنين العراقيين.

وأن يتجاهلوا ما تم الكشف عنه من عصابات الموت التي تعيث فساداً في أرض العراق، وأن يتجاهلوا فرق الاغتيال التابعة لقوى أجنبية، وأن يتعاموا عما يدبر للعراق المنكوب من نكبات جديدة بالحروب الأهلية أو التقسيم أو ضرب أي انتماء عربي له، من الغريب والمريب أن يتجاهلوا هذا كله لتصبح قضيتهم التي يخوضون من أجلها الحرب ويهددون فيها بتفجير حمام الدم من بغداد إلى القاهرة هي كاميليا وهل أسلمت أم مازالت تدين بالمسيحية؟!

أسئلة كثيرة يثيرها هذا التحرك المشبوه، بداية من ترافقه مع رفض الدور العربي في تحديد الخطوات المستقبلية في العراق، ثم ترافق ذلك مع موجه الهجمات الإرهابية التي تستهدف الجميع، المسيحيين والمسلمين، السنة والشيعة، ربما لتأكيد أحد الجوانب المستهدفة من وثائق ويكيلكس، وهو التركيز على مسؤولية العراقيين والعرب أنفسهم عن الجزء الأكبر من جرائم الحرب التي تمت، وليس الاحتلال الأميركي وحلفاءه وحدهم.

سؤال آخر حول توقيت التحرك المشبوه ضد المسيحيين العرب في وقت تتأزم فيه الأمور في لبنان، وفي وقت كان السنودس المسيحي الذي انعقد في الفاتيكان يتخذ موقفاً داعماً للحقوق الفلسطينية ويشجب الطرح الإسرائيلي عن «يهودية الدولة» ويدعو لوضع حد للاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية .

ويرفض استخدام مقولة «أرض الميعاد» لتبرير الظلم وتسويق هجرة اليهود لفلسطين وطرد الفلسطينيين منها. فهل تم تدبير الهجوم الوحشي على الكنيسة وما تبعه من بيانات وإنذارات ليعطي إسرائيل سلاحاً استخدمته على الفور لتقول للعالم: هذا هو الخطر علينا وعليكم.

ثم لماذا تذكروا أقباط مصر الآن، ومن قلب العراق المنكوب؟ وهل المطلوب انكفاء مصرياً على الداخل أكبر مما هو الآن، خاصة في شهور صعبة يتقرر فيها مصير السودان، ويتم فيها التوافق على وضع العراق بعد الانسحاب، ويدخل فيها اليمن إلى منطقة بالغة الخطورة، وتتأزم فيها الأوضاع في لبنان وتدخل فيها القضية الفلسطينية نفقاً مظلماً؟

قبل أسابيع اعترف مسؤول أمني إسرائيلي كبير سابق لأول مرة بضلوع إسرائيل في محاولات إثارة الفتنة في مصر. وبدون اعتراف فإن تفاصيل التحركات الصهيونية لإثارة أقباط المهجر مرصودة من جانب القاهرة.

وإثارة ملف الأقباط في قلب بغداد المنكوبة يعني أن الصهيونية تلعب في العراق المنكوب كما تشاء مع أطراف عراقية وغير عراقية، وأن القضية ليست كاميليا، بل مصر بمسلميها قبل أقباطها، وبوحدتها الوطنية التي يعرف الجميع أنها الصخرة التي تتحطم عليها المؤامرات، هكذا كان الأمر منذ الحملة الصليبية على مصر قبل قرون، وهكذا سيظل الأمر إلى يوم الدين.

كاتب صحافي مصري

mhalyan@albayan.a