مارست دول عديدة بعد الحرب العالمية الأولى حق الولاية القضائية العالمية ، وذلك بالتحقيق مع أشخاص ارتكبوا جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية ومن تلك الدول بريطانيا وأسبانيا والولايات المتحدة وبلجيكا وبموجب هذه الولاية التي انتزعتها لنفسها هذه الدول تم اتهام ومحاكمة أشخاص من غير رعاياها عن جرائم لم ترتكب على أراضيها أيضا .

لكن العصر الحاضر يشهد أغرب عملية تزييف في القوانين المحلية المنظمة لهذه الولاية فيما يتعلق بمجرمي الحرب الإسرائيليين حيث أجبرت إسرائيل دولا مثل بلجيكا وأسبانيا على تعديل تشريعاتها لوقف صدور إجراءات اعتقال ومحاكمة قادة إسرائيليين مثل شارون وليفني وباراك وبن اليعازر وحالوتس وأحدث المطلوبين الذين أحجموا عن السفر خشية اعتقالهم كمجرمي حرب دان ميرودور نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي .

ورغم أن بريطانيا لم تغير قوانينها في هذا الشأن إلا أنها تتعرض لضغوط كبيرة من إسرائيل وأنصارها في أوروبا والولايات المتحدة كي تغير تلك القوانين التي تدين قادة إسرائيل الملطخة أيديهم بدماء الفلسطينيين ومن الغريب أن يتعهد وزير الخارجية البريطاني خلال زيارته لإسرائيل مؤخرا بالعمل على تعديل القانون قبل نهاية العام الجاري الذي يسمح باعتقال مجرمي الحرب الإسرائيليين أثناء زيارتهم لبريطانيا ورغم ان عديدا من المراقبين يشككون في إمكانية حدوث ذلك نظرا لصعوبة تغيير القوانين البريطانية والمساحة الكبيرة من الاستقلال التي يتمتع بها القضاء البريطاني ، إلا أن السياسيين الأوروبيين عموما والبريطانيين خصوصا غالبا ما يجدون أنفسهم ضعفاء أمام ضغوط إسرائيل وأنصارها ، مما يقدح بشدة في مصداقية تصريحات هؤلاء الساسة حول الالتزام باسترداد حقوق الشعب الفلسطيني ودعم عملية التسوية السلمية القائمة على أساس من القوانين الدولية .

وينظر العالم بدهشة الى هؤلاء الساسة الذين يضحون بسمعة العدالة في بلادهم من أجل مداهنة إسرائيل وعلى مثل هؤلاء الساسة ان يعترفوا انهم ليس بمقدورهم حماية ضحايا جرائم الحرب من الفلسطينيين بسبب خوفهم من (الفزاعة) الإسرائيلية ثم ما هو التأثر الذي سيحدثه وقف الحوار الاستراتيجي الإسرائيلي البريطاني إذا لم تذعن لندن للمطالب الإسرائيلية ؟

إن هناك حالة من الغضب المتزايد في صفوف نشطاء سياسيين بريطانيين جراء هذه التصريحات الصادرة اخيرا ، ومنهم نواب في مجلس العموم ولوردات ومحامون كلهم يستنكرون توجهات حكومة جوردون براون لتغيير القوانين من اجل خاطر إسرائيل وقد نظمت حملة توقيعات ضمن اكثر من 90 شخصية تناشد بريطانيا ألا تتراجع عن التزاماتها تجاه محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين فهل تقع لندن في الخطأ مرة أخرى ، بعد أن وقعت في خطأ وعد بلفور وخطأ آخر ارتكبته حكومة بلير حين تجاهلت الرأي العام الداخلي والعالمي المناهض لغزو العراق ؟ نأمل أن تظل قوانين المملكة المتحدة على ما هي عليه حتى لا تتشجع اسرائيل اكثر مما هي الآن ، على مخالفة كافة المواثيق الدولية وتواصل انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني الى أبعد من ذلك ، فتوفير الحماية لمجرمي الحرب الإسرائيليين لن يفيد السلام بل سيدفع المنطقة إلى مزيد من التوتر الذي يهدد مصالح الجميع وليس الشعب الفلسطيني وحده .