في ظل تشابك مصالح الدولة والمؤسسات الدولية، تبرز أهمية التنسيق بين الاتحادي والمحلي خاصة في الجوانب المالية والاقتصادية بشكل عام، ومن ثم على الجوانب السياسية، إن دولة الإمارات العربية المتحدة استطاعت قدر الممكن أن تخرج من الأزمة المالية العالمية بأقل الخسائر، على الرغم مما نشر في العديد من الصحافة المعادية للأمة العربية بعامة ولدولة الإمارات بخاصة.
والتي لم تكن تريد النجاح للمشاريع التنموية في الإمارات من قبيل الغيرة والحسد للنجاحات التي حققتها الإمارات في مرحلة وجيزة، فهي تريدها أن تظل معتمدة على الخبرات الأجنبية والتي لا يهمها إلا المزيد من المكتسبات المادية من الدول العربية، وخاصة في الخليج العربي، وبالتالي فإن الوضع الحالي والمتمثل في التجزئة والعداء غير المعلن بين أجزاء ذلك الوطن الممتد من الخليج إلى المحيط.
وما يلاحظ من بروز الطائفية والعرقية والتحزبات السياسية يساعد على ذلك، وما ذلك إلا تحقيق لبروتوكولات الصهيونية العالمية، والتي تخطط منذ زمن بعيد للهيمنة ليس على الوطن العربي فحسب وإنما على العالم كله، واستطاعت أن تجهز على كل المحاولات نحو الوحدة بدءاً من الوحدة بين مصر وسورية في سنة 1958، مروراً بالاتحاد الثلاثي، وغيره من الاتحادات.
ولكنها لم تستطع أن تزعزع كيان الإمارات الوحدوي الذي يشتد صلبه يوماً بعد يوم، كما تعمل الصهيونية على محاربة التقدم العلمي في الوطن العربي، وتقوم باغتيال كل من ترى انه يشكل خطراً عليها لا سيما في المجال النووي.
أليس من سخرية القدر أن تهاجر الأدمغة العربية إلى الغرب بحثاً عن الحرية والإنتاج العلمي والفكري بعيدا عن القمع والإرهاب، الذي يمارس ضد التفكير العلمي في الوطن العربي، لقد ساهمت هذه الظروف في ترسيخ العقلية الخرافية لدى عامة الناس، وانتشار الفكر الغيبي الذي أفسح المجال واسعاً أمام التأثر بالأفكار التدميرية التي بدأت تجد حقلاً خصباً في بعض الأدمغة العربية.
وربما لدى الفئات الجماعية الأخرى، ولكن نجد على الجانب الآخر في دول مجلس التعاون التسامح مع ثقافة الآخر وقبوله، مما دعم تلاحم الثقافات، ودعم الاستقرار بشكل عام، وأصبحت دول الخليج جاذبة لكل الكفاءات البشرية، مما ساهم في خلق الخلل السكاني الذي لم يؤثر في الاستقرار والتعايش، لأن الجميع يريد أن يحافظ بل ويدرك أن الأمن والاستقرار هما خط أحمر لا يمكن تجاوزه، ومن هنا نجد أن أغلب دول الخليج تنعم بالأمن والأمان على الرغم من الأمواج المتلاطمة التي تحيط بها سيما في العراق وأفغانستان.
نوفمبر هو شهر الحزن والألم والحسرة سواء على المستوى المحلي أو العربي، كانت البداية وعد بلفور حين أكد للحركة الصهيونية حقها في إقامة كيانها على أرض فلسطين، لقد ساهمت بعض الأنظمة العربية حين ذاك في ترسيخ الكيان الصهيوني بالتعاون مع الدول العظمى، ومع ذلك ظلت الشعوب العربية مؤمنة بعودة الأرض لأهلها، وبرزت للسطح السياسي الانقلابات العسكرية في العديد من الدول، والتي رفعت شعار تحرير فلسطين.
وكانت النتيجة احتلال المزيد من الأراضي العربية عام 1967، لأن تلك الدول كانت تستغل قضية فلسطين في الحفاظ على أنظمتها ووجودها، ولم تكن تبذل ما يكفي لترجمة القول إلى فعل، اليوم هناك من يرى أنه قد كان الأجدى قبول قرار التقسيم في عام 1948 وأن المزايدات السياسية هي التي أضاعت فلسطين.
لعل الحسرة التي يبديها بعض العرب هذه الأيام على عدم القبول بقرار التقسيم يؤكد وجود أجندات تحت الطاولة، من المؤكد أن التطور التدريجي في الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ربما كان أفضل من البيان رقم واحد.
لقد عانت المجتمعات العربية على مدى نصف القرن منذ فترة الخمسينيات من القرن الماضي حتى هذه اللحظة من الصراع بين أبناء الوطن الواحد، وساهمت من خلال أدواتها المختلفة في وضع العصا أمام العجلة، فمرة بخلق الحواجز الوهمية، مستغلة ذلك العقلية العربية.
والتي لم تر أن المصالح الاقتصادية هي الأهم من السياسة، وتارة أخرى باصطناع العداوات والنزاعات بين الدول العربية، بل وفي بعض الأحيان بين مكونات الدولة الواحدة كما نجد الآن في السودان والعراق ولبنان.
إن عدم ترسيخ الشعور بالوطنية بدلاً من الأشكال الأخرى، التي كانت سائدة، أسهم في تخلف العرب بشكل من الأشكال، وأتاح المجال للانقسامات فها هو العراق يعاني من الطائفية والعرقية التي أطلق عنانها الاحتلال الأميركي البغيض منذ وطأت قدماه العراق في سنة 2003، وأزهق وما زال يزهق آلاف الأرواح دون طائل، وذلك لأن تلك النزاعات تخدم مصالح العديد من الدول والقوى المعادية للعرب التي لها حلمها التاريخي في السيطرة على هذا الجزء أو ذاك من الوطن العربي.
وهذا ما أسهمت به الدول الغربية سواء في مرحلة الاستعمار التقليدي (بريطانيا، فرنسا، ايطاليا) أو في المرحلة الحالية في زرع الشقاق وتعزيز الإقليمية بين الدول العربية.
ومن هنا يتذكر الجميع الوالد المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (رحمه الله وأسكنه فسيح جناته) حينما أكد في أكثر من مناسبة أهمية التلاحم العربي، وحينما طرح أن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي.
ولعل النموذج الوحدوي في الإمارات يؤكد ان الإرادة السياسية وتلاحم القيادة مع الشعب هما صمام الأمان للأمة وللشعوب، ألا يمكن الاستفادة من تجربة الولايات المتحدة الأميركية، وحتى التجربة الأوروبية في هذا المجال، وهي بلاد مترامية الأطراف ومتعددة الأعراق والقوميات، وربما المصالح، ولكنها وجدت أن في وحدتها مصلحة لشعوبها، وتحقيقاً للاستقرار بين مكوناته، وبذلك أنهت أوروبا فترة الحروب التي امتد بعضها مائة عام متواصلة؟
ويبقى أمامنا نحن أبناء هذا الوطن تحد أكبر في ظل الأمواج المتلاطمة في المحيط الهائج الآن على الساحة الدولية، هذا التحدي هو الحفاظ على اتحادنا في دولة الإمارات العربية المتحدة، لأنه هو سفينة النجاة لنا من الغرق في هذا المحيط، ولنا العون من الله والقدوة من قادة سفينتنا.
أستاذ علم الاجتماع السياسي
