من المهم التأكيد على أهمية استجابة الحكومة على المستوى الاستراتيجي للظواهر الأخيرة المقلقة التي تتمثل بتنامي العنف الاجتماعي سواء في الجامعات أو ما يترافق مع بعض المنافسات الانتخابية أو حتى نتيجة أحداث يومية يفترض أن تنتهي بشكل عابر ولكنها تتحول الى مشكلة اجتماعية نتيجة تدخل أطراف عديدة في شحن الأجواء.

ان التوصيات التي قدمتها اللجنة الوزارية المشكلة مؤخرا تحت اسم "لجنة الحد من العنف المجتمعي" ، وقبلها ما قدمته دراسة المجلس الاقتصادي الاجتماعي حول نفس الظاهرة ، جديرة بأن تتحول سريعا الى سياسات وقرارات قابلة للتنفيذ الفوري للحد من هذه الظاهرة المؤسفة.

ان المجتمع الأردني وعبر تاريخه ، يتميز بالتسامح والقدرة على ضبط العلاقات الاجتماعية وحمايتها من التحول الى عنف جماعي ، ولكن السنوات القليلة الماضية شهدت خروجا عن هذه التقاليد وتناميا في قيام جماعات اجتماعية وخاصة الشباب بحشد أنفسهم وبسرعة لتنظيم مشاجرات جماعية كرد فعل على أحداث فردية يمكن ، بل ويجب تطويقها بالحكمة والتسامح الأردني المعروفين.

لقد تمكنت اللجنة الوزارية من تشخيص الظاهرة بطريقة صحيحة وقدمت بناء على ذلك توصيات هامة لعل أكثرها حيوية اعادة العمل بنظام خدمة العلم ولو بشكل مختصر ومكثف لمنح الشباب الفرصة لممارسة مزايا الانضباط والانصهار الوطني في المؤسسة العسكرية وما يرتبط بها من مهام على الصعيد الوطني تساهم في اخراج الشباب من عزلتهم المناطقية ومساعدتهم على الانخراط في عمل وطني مؤسسي.

ان هذه الثقافة الوطنية التي يمكن أن يحصل عليها الشباب من الخدمة العسكرية باتت بديلا لا غنى عنها وأداة لحشد طاقات الشباب في تنفيذ مشاريع تنموية تقوم بها المؤسسة العسكرية في كافة ربوع الوطن وتساهم في تعليم الشباب وبالممارسة لا بالقول معنى الانتماء الحقيقي للوطن.

وكانت التوصية المهمة الثانية هي اعادة النظر في التشكيلة الحالية للمجالس الاستشارية في المحافظات والألوية واختيار وجهاء العشائر الممثلين فعليا لعشائرهم ، وممن يحظون بالمصداقية العالية ولهم تأثير في مجتمعاتهم المحلية وتفعيل دور المتقاعدين المدنيين والعسكريين بالنظر لاتساع رقعة هذه الشريحة في المجتمع الأردني. وهذه التوصية تعيد الدور الأساسي للوجهاء المحليين والذين يمثلون خط الدفاع الأول ضد ظاهرة العنف وهم الذين ، في حال كانوا يتمتعون بالمصداقية وثقة المجتمع المحلي يستطيعون أن يخمدوا بحكمتهم اية محاولات لتصعيد التوتر الاجتماعي الى مستوى المشاجرات والعنف الجماعي.

ولم تنس توصيات اللجنة أهمية تعزيز أجواء الثقة بين المواطن ورجل الأمن العام من خلال اعتماد السياسات المتعلقة باعادة النظرة بأسس التجنيد والتدريب والتوجيه في مرتبات الأمن العام وتدريب المستجدين على أسس التعامل مع المواطنين في النقاط الساخنة والعمل على تمديد خدمة الأفراد والضباط من ذوي الخبرة والكفاءة لأطول فترة ممكنة وهي جميعا تمثل خطوات اساسية في تقوية دور الأمن العام في الحفاظ على الامن الاجتماعي وروابط التعاون مع المجتمع والتقليص التام لحالات الانفعال التي يمكن أن تنتج عن أو تسبب بعض حوادث العنف الاجتماعي.

وكذلك الأمر بالنسبة للتوصيات الخاصة بالاعلام والتربية والتعليم ودور الوعاظ والمرشدين وكافة المنابر التي تخاطب المجتمع والتي يجب أن تتمتع بالحس العالي من المسؤولية الوطنية في الدعوة الى نبذ العنف والحض على الحكمة والتسامح والاستعانة بالقانون والدولة لتحصيل الحقوق وكل هذه المسارات تتقاطع معا نحو أردن آمن وخال من العنف الاجتماعي مستعيدا روح التسامح والتعاون والحكمة.