اتخذت النهضة المباركة الإنسان العماني والنهوض به هدفا أساسيا يتصدر أهدافها الاخرى حيث كان يدرك حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - حفظه الله ورعاه - منذ إعطائه إشارة البدء للانطلاق في مسيرة النهوض عام 1970 ، أن الإنسان هو المحرك الأساسي لأي نهضة كما أنه يجب أن يكون الغاية أيضا لإنجازاتها ، والنهوض بالإنسان يعني المبادرة بتشييد صرحين راسخين لتنمية هذا الانسان جسما وعقلا ، عبر قطاع صحي حديث وقطاع تعليم يأخذ بأحدث المناهج والوسائل التعليمية في مناخ مدرسي صحي ومستقر .

وقد شهدت الأربعون عاما الماضية من عمر نهضة عمان الحديثة طفرة غير مسبوقة في هذين القطاعين ونقلة نوعية حققت قدرا من التنمية البشرية في السلطنة حاز إعجاب العالم ، واستلفت انتباه المنظمات الدولية التي تعد تقارير شاملة عن مسار التنمية البشرية على مستوى العالم .

ولأن هذه التقارير لا تأخذ في اعتبارها معدلات الدخل أو حجم الموارد الطبيعية وهي تنظر في مدى نجاح الدول في تحقيق معدلات عالية في مجال التنمية البشرية لذلك يصبح حسن التخطيط والتنفيذ للبرامج والخطط التنموية الرامية إلى النهوض بالانسان هو العنصر الأساسي ، فالمال وحده لا يصنع تقدما أو تنمية ما لم يكن المتصرف في هذا المال على درجة من المسؤولية والرشد الكافيين لتوجيه ميزانية بلاده باتجاه الأولويات الصحيحة ، وهذا تماما ما حدث في السلطنة حيث كان الانسان هو الهدف الأول .

وأمس صدر تقرير التنمية البشرية على مستوى العالم ، حيث جاءت السلطنة ضمن الدول العشر الأوائل في هذا التنصيف من حيث النهوض بالصحة والتعليم .

كما أكد التقرير أن خمس دول عربية تتصدر التقرير من حيث سرعة التنمية البشرية خلال العقود الأربعة الأخيرة ، ذلك على الرغم من القلاقل والحروب والصراعات التي شهدتها المنطقة العربية على مدى هذه العقود الأربعة ، مما أثر على المسيرة التنموية لدول كثيرة في المنطقة ، إلا أن الحكمة والرشاد اللذين يتمتع بهما جلالة قائد المسيرة التنموية في السلطنة - حفظه الله ورعاه - كان لهما الأثر الأسمى في تجنيب بلادنا عواقب هذه الصراعات وكذلك تجنيبنا تداعيات الأزمات المالية العالمية والانحناءات الاقتصادية ، بل وعواقب التقلبات المناخية بكل ما حملت هذه التحولات من تيارات عاصفة وطؤها يكون ثقيلا على ميزانية أية دولة حتى الدول الكبرى .

إن الإيمان بقيمة الانسان ورفع مستوى معيشته وتحسين نوعية حياته هدف يضعه محركو عجلة التنمية في السلطنة نصب أعينهم ، فكان أن استقرت بذلك صورة بلادنا كصاحبة تجربة رائدة في مضمار التنمية البشرية في العالم ، وصارت مثالا يحتذى في حسن اختيار معايير النهوض ومرتكزاته ، وعلاقته بالتركيبة المجتمعية ، ومراعاة عنصري الزمان والمكان ، وأهمية دراسة علاقتهما بتسريع خطوات النهضة وضمان تحقيقها للرؤية المستقبلية للبلاد ، وأيضا ضمان استمراريتها في متوالية تتداولها الأجيال ، فالإنسان هو عنوان التنمية الحقيقي وليس إصدار التقارير حاملة الأرقام المجردة عن تصاعد معدلات النمو أو النسب المؤية في الناتج المحلي أو دخل الفرد إلى غير ذلك من إحصاءات .