جاء الإعلان عن سحب جائزة زايد ليعيد مرة أخرى ملف السرقات العلمية المفتوح في عالمنا العربي. والواقع أن هذا الملف ليس بالجديد على منطقتنا فهو منتشر في كافة أرجائها من دون لصق التهمة بدولة دون أخرى.

وربما منح ارتباط الموضوع بمناسبة على مستوى وحجم «جائزة زايد»، زخماً إعلامياً عربياً واسعاً. وبعيداً عن ملابسات الموضوع الراهن فإن السؤال المهم هنا يتعلق بالأسباب المؤدية لانتشار السرقات العلمية بشكل واسع في العالم العربي؟

ترتبط السرقات العلمية بشيوع «ثقافة الاستسهال»، فلا أحد يريد أن يبذل جهداً أكاديمياً حقيقياً يتابع من خلاله قضية ما أو موضوعاً اجتماعياً ملحاً. فالأعمال الأكاديمية تحتاج إلى انضباط في العمل والتفرغ لها، وهي مسائل تكاد تكون بعيدة عن طبيعة الشخصية العربية الراهنة التي تتداخل فيها الأوقات وتتشعب المهام.

واللافت للنظر أن هذه الوضعية لا تبتعد عن باقي السياقات العربية الأخرى؛ فكم من الأفراد لديهم مسؤوليات عدة بحيث يندهش المرء من الكيفية التي يقومون من خلالها بتسيير كافة هذه المهام في وقت واحد.

ويقود ذلك لا محالة إلى الاستسهال في القيام بالمهام المختلفة، وهي مسألة تحدث كثيراً في الأعمال الأكاديمية التي لا يوليها أصحابها الأهمية والوقت الكافيين.

فالعديد من الأكاديميين والمفكرين لديهم مهام أخرى عدة بجانب الإنتاج المعرفي المجتمعي مثل المناصب الرسمية والمؤتمرات والندوات، وعلينا أن نلقي نظرة عابرة لنرى أسماء بعينها في كل قطر عربي هي التي تحتكر المناصب وتتبوأ سدة الندوات والمؤتمرات.

وبسبب من شيوع ثقافة الاستسهال يغيب الانضباط المهني عن الأعمال الأكاديمية وهي مسألة تقود لا محالة إلى فوضى حتمية يختلط من خلالها جهد الباحث بجهود الآخرين سواء بقصد أو بغير بما يؤدي إلى السطو على جهدهم وسرقة أبحاثهم وأفكارهم.

ففي ظل تعدد المهام للباحث بين التدريس والمناصب والإشراف العلمي تضيع المهام وتتماس القضايا وتتلاشى المسؤولية، ويصبح الهدف الرئيس هو الوفاء ببعض هذه المهام بقدر ما يسمح الوقت ويضغط الآخرون. والملاحظ أنه بمرور الوقت يتجه المفكرون والأكاديميون إلى العمل الإعلامي أكثر من توجههم للإنتاج المعرفي الحقيقي، وهو ما يؤدي في النهاية إلى الاستسهال في السطو على الآخرين من أجل إرضاء الإعلام وماكينته التي لا يهدأ لها زئير.

وبسبب تلك الواجهة الإعلامية يمتلك هؤلاء المفكرون والأكاديميون سطوة ونفوذاً، الأمر الذي يكفل لهم استمراء عمليات السطو على جهد الآخرين دون خوف أو وجل. فهم غالباً ما يكونون من رجال السلطة، كما أن مناصبهم الأكاديمية توفر لهم قدراً ما من الحصانة المجتمعية التي تخيف الآخرين ممن يتعدون على أعمالهم ويسطون عليها. ومن أكثر الأماكن التي ينتشر فيها هذا النوع من علاقات القوة «الجامعة» التي أصبحت ساحة للسطو والاقتباس وسلب جهود الآخرين.

ويعود ذلك لأمرين على قدر كبير من الأهمية أولهما أن الجامعة غالباً ما تتستر على هذه النوعية من الجرائم وتتخذ منحى ودياً في التعامل معها من باب عدم «وجع الرأس» وغلق الباب أمام اتساع الفضائح، إضافة لشيوع ثقافة «عدم قطع العيش» الذي قد ينجم عن فصل السارقين. وثانيهما أن هذا النوع ممن تثبت إدانتهم الأكاديمية أصبحوا نجوماً في المجتمع، وواجهة للعديد من النظم العربية التي لا تحتاج لأصحاب الملفات النظيفة الخالية من الاتهام.

وفي ظل هذا المناخ الأكاديمي المتسيب الذي يضمن لهذه الشريحة من المنحرفين الإفلات من العقوبة، بل ويضمن لهم الحفاظ على مناصبهم والترقي المتواصل، فإن السرقات الأكاديمية تتواصل بشكل مخيف بين الأجيال الجديدة الصاعدة، لتعم كافة الشرائح العمرية والتخصصات الأكاديمية، وهنا تبرز الطامة الكبرى التي تواجهها الجامعات العربية والواقع المعرفي العربي.

فنحن لا نتحدث هنا عن شريحة محدودة تختص ببعض الأساتذة لكننا نتحدث عن شريحة تتسع يوماً بعد يوم لتضم العديد من الأساتذة والأجيال الجديدة الصاعدة. ففي ظل غياب القدوة العلمية تضرب الأجيال الجديدة بالقيم عرض الحائط لتصبح ثقافة الاستسهال هي النموذج الذي تحتذيه وتمارسه في حياتها الأكاديمية والعملية على السواء.

اللافت للنظر هنا أنه بينما تؤكد الجامعات الغربية أهمية الأمانة العلمية وتكرس لها المقررات اللازمة لتوجيه الطلاب فإن الجامعات العربية تأكيداً لثقافة الاستسهال وعملاً بها لا تهتم بأخلاقيات البحث العلمي والتأكيد على أهمية وضرورة الالتزام بها.

فالجامعة لا تختلف عن السياق المحيط بها، فرغم وضع الريادة لها فإنها أصبحت تابعة للسياق العربي المفعم بالفساد والقائم على علاقات القوة والمحسوبية والقرابة بديلاً عن الحوار والمشاركة والجدارة.

وفي كلمة فإنه لا يمكن الفصل بين شيوع السرقات العلمية وثقافة الاستسهال على المستوى الأكاديمي وشيوعهما على المستوى المجتمعي. فكل إناء ينضح بما فيه، والله المستعان.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com