الانقسام في الوطن اللبناني بألوانه الطائفية والمذهبية والسياسية الحادة، مع ضعف «الدولة» ما جعل هذه الطوائف والمذاهب أشبه «بالدويلات» في الداخل.. والانفصام بين الجغرافيا والتاريخ ببواباته المفتوحة على الخارج ما أغرى بعض الدويلات بالاستقواء بالدول.. هو ما أتاح «للدول» في الخارج اختراق الوطن، والعبث في ساحته، والضغط على الدولة في الداخل، وهذا هو أكبر المخاطر التي واجهها الوطن اللبناني بكل مكوناته في كل أزماته، الآن وقبل الآن وبعد الآن.
هذا الانقسام الوطني الذي نشهده الآن حول ملفات عديدة بما يهدد سيادة الدولة ووحدة الوطن، هو الواقع اللبناني الذي نتج عن التقسيم الاستعماري للشام بولادة قيصرية خارجية قبل الآن عام 1920، ثم صاغ له المستعمر الفرنسي صيغة نظامه الفريد في تقاسم السلطة في ميثاق ,1943. وهذا ما منع انفراد طائفة بالحكم، وما فرض على اللبنانيين مع اختلاف مكوناتهم أن يتوافقوا ولو لم يتفقوا في توجهاتهم.
ومع أن هذا النموذج اللبناني بدا أحياناً حلاً لمشاكل التعدد في إطار التوحد، إلا أنه غالباً بدا منبعاً للأزمات الكبرى حين غاب التوحد بغياب التوافق بين الأطراف، وحاول كل طرف الاستئثار بالحكم دون بقية الأطراف.
وهو ما جرى في أكثر من مفصل خطير، وجر الوطن إلى حرب أهلية دامية استمرت 15 عاماً أحرقت كل الصيغ، حتى جاءت صيغة «الطائف» العربية والدولية لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتوحيد الجيش على أسس وطنية لا طائفية برعاية سورية، بصيغة الائتلاف، والديمقراطية التوافقية، والعيش المشترك.
لكن الخارج الصهيوني الذي اغتصب فلسطين، والذي يريد تقسيم لبنان إلى دويلات طائفية لتبرير صيغة «الدولة اليهودية»، ونفخ في نيران الحرب الأهلية اللبنانية المشؤومة عام 75 بعد هزيمته على الجبهتين المصرية والسورية عام 73، لم يرد للبنان العربي الذي احتضن المقاومة الفلسطينية استقلالاً ولا حرية ولا سيادة، فقام بالعدوان وبغزو لبنان أكثر من مرة، وحاصر العاصمة بيروت، وبحجة إخراج المقاومة الفلسطينية من جنوب لبنان، احتل جنوب لبنان! فولد هذا الاحتلال مقاومة لبنانية وطنية بقيادة حزب الله بدعم سوري، طردته بالقوة عام2000!!
ومن هنا وجد العدو الإسرائيلي بعد انسحابه المهين وحليفه الأميركي بعد تدخله المشين سعياً لتدمير العراق في حرب الخليج الأولى تحت غطاء تحرير الكويت، أنه وجب إنزال العقاب الرادع، لا على المقاومة اللبنانية فقط، بل على كل لبنان وكل سوريا الموجودة في لبنان بطلب لبناني وبموافقة عربية ودولية.
وذلك بمشروع صهيو أميركي مشترك للسيطرة على الشرق الأوسط، الذي ازداد اندفاعاً في عهد بوش ضد المقاومتين: الفلسطينية بقيادة «حماس»، واللبنانية بقيادة حزب الله، تحت لافتة «الحرب على الإرهاب» بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.
وتنفيذا لهذا المشروع الشرير، شن «بوش» حرب الخليج الثانية بعدوان أنجلو أميركي غير مشروع بهدف «لبننة العراق» باحتلاله وبإشعال الحرب الأهلية الطائفية والمذهبية والعرقية بين مكوناته لتقسيمه، بكذبة كبرى هي الربط بين العراق وتنظيم «القاعدة»، وامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، بينما الحقيقة هي السعي لغزو العراق وسوريا وإيران الذين أطلق عليهم صانع الشرور «محور الشر» لضرب القوى العربية والإسلامية التي يمكن أن تهدد إسرائيل، وللسيطرة على مصادر النفط في الطريق لشرق أوسط صهيو أميركي جديد!
لكن هذا الاحتلال الأميركي ولد مقاومة وطنية عراقية من كل الأطياف، واجهت القوات الغازية وأنزلت بها الخسائر الفادحة، وأوقفت تقدمه نحو سوريا أو إيران، ما أغرق المشروع في الوحل العراقي، وأوقع «بوش» الذي ازداد على المقاومات العربية حنقاً وجنوناً في ورطة كبرى، لم يجد لها من مخرج لإنقاذ مشروعه الشرق أوسطي الذي يكرس إسرائيل كقوة إقليمية كبرى سوى تغيير بوابة الدخول من العراق إلى لبنان، سعياً إلى «عرقنة لبنان» وصولاً إلى سوريا.
وهو ما جرى تنفيذه هذه المرة على مراحل، أولا بقرار «فرانكو أميركي» رقم 1959 من مجلس الأمن الدولي يشكل تدخلا دوليا مباشرا في الشأن اللبناني، ويطالب سوريا بالانسحاب من لبنان وترك لبنان وحيدا في مواجهة إسرائيل، ويطالب بنزع سلاح المقاومة اللبنانية، ليبقى لبنان ضعيفاً في مواجهة العدوان الإسرائيلي القادم، بعد أن تم التمهيد لذلك كله باغتيال الشهيد رفيق الحريري عام 2005 لضرب كل العصافير بقرار دولي واحد، وبجريمة شيطانية واحدة!
ليتم العدوان الصهيوني المخطط له على لبنان صيف 2006 بقرار أميركي، غير أن المفاجأة الكبرى لأميركا وإسرائيل ومن تبعهما بغير إحسان في لبنان وفي المنطقة العربية وفي الغرب المساند لإسرائيل هو فشل العدوان فشلاً ذريعاً في تحقيق أي من أهدافه؛ عسكرياً وسياسياً، بما أفقد الجيش الصهيوني قوة الردع الإسرائيلي، ونجاح المقاومة اللبنانية بقصف العمق الإسرائيلي بالصواريخ وتدمير دباباته وقتل العديد من قواته في معارك مشهودة في «بنت جبيل» و«عيتا الشعب» و«مارون الراس».
ولم يعد أمام إسرائيل وأميركا وأعوانهما من سبيل لمحاصرة المقاومة الوطنية في العراق ولبنان وفلسطين والقضاء عليها ولمواجهة الدول المناهضة للمشروع الصهيو أميركي في المنطقة سوى بوابة أخيرة هي بوابة الفتنة الوطنية بتفجير الأوطان العربية والإسلامية من الداخل بشحنات طائفية ومذهبية وعرقية متفجرة، كما كشفت تصريحات «عاموس يادلين» الرئيس السابق للاستخبارات الصهيونية مؤخراً.
وهو ما جرى قبل الآن مؤسفاً في فلسطين، ويجري دامياً الآن في العراق، وما يخطط له أن يجري بعد الآن مؤلما في لبنان، استغلالا لدم الشهيد الحريري تحت عنوان «المحكمة الدولية» لضرب تحالف الشعب والجيش والمقاومة، وتحت لافتة «العدالة والحقيقة»، بينما العدالة والحقيقة في الواقع قد لا تؤشر بأصابع الاتهام باتجاه الضاحية في بيروت أو دمشق، في ما يمكن أن تؤشر في النهاية باتجاه تل أبيب وواشنطن بعد كشف الحقيقة بمحاكمة «شهود الزور»..ولهذه العناوين حديث آخر.
لكن الغريب أن ذلك كله يجرى تحت ذات الشعار «الحرب على الإرهاب»، بينما الاحتلال الصهيوني في فلسطين والأميركي في العراق هو بالحقيقة والعدالة كما تكشف الوثائق الأميركية والدولية هو أعلى درجات الإرهاب!.
كاتب مصري
