إنها القنبلة الإعلامية الأعظم خلال العقد الأول للقرن. لكن ارتداداتها قد تتبخر عند وقت ما.

الحديث عن وثائق موقع «ويكيليكس» التي تدفقت بمئات الألوف بشأن عمليات الذبح الشنيعة في العراق المحتل أميركياً، وما ترافق معها من عمليات تعذيب أشد بشاعة. لكن رغم أن بث الوثائق الدامغة فجَّر إثارة عالمية لا مزيد عليها إلا أن زوبعة الإثارة أخذت تنحسر مفسحة المجال للتساؤل الأكبر: كيف يمكن الوصول إلى المجرمين لمساءلتهم قانونياً وتقديمهم إلى العدالة؟

الأسماء موجودة لدى مدير الموقع (وهو الأسترالي جوليان أسانغ) لأنها موجودة على الوثائق المبثوثة التي كشفت سريتها، لكنه بطبيعة الحال حرص على عدم إظهارها انتظاراً وتريثاً إلى حين تسليمها إلى جهة مخولة قانونياً بالتحقيق والتقصي في الجرائم.

ولكن هل يحدث تحقيق فعلاً؟ ومن يأمر بالتحقيق.. ومن يقوم به؟

هناك من ارتكبوا التجاوزات الإجرامية. ووفقاً للوثائق هناك من أمروا بها.. وهناك أيضاً من تستروا عليها أو سكتوا عنها. وكما تعكس الوثائق فإن أمامنا تشكيلة من حكومات وهيئات خاصة وتنظيمات سياسية وشخصيات فردية نافذة.

وعليه فإن أي تحقيق ينبغي أن يطال رجال الإدارة الأميركية في عهد الرئيس بوش الابن على أعلى المستويات من الرئيس بوش نفسه ونائبه ديك تشيني ووزير الدفاع (البنتاغون) رونالد رامسفيلد وجنرالات الميدان الأميركيين داخل العراق.

كما ينبغي أن تطال يد التحقيق مسؤولين وسياسيين عراقيين ومسؤولين وسياسيين آخرين من الجوار الجغرافي.. وبنفس القدر أصحاب الشركات الأمنية الأميركية العاملة في الأراضي العراقية.

ابتداء ليس من المتوقع على الإطلاق أن تأمر الإدارة الأميركية الحالية بإجراء تحقيق فضلاً عن تقديم مسؤولين سابقين إلى محاكمة. فهي ترفض أصلاً ما قام به موقع ويكيليكس من بث للوثائق السرية. فقد جاء على لسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ووزير الدفاع روبرت غيتس وجيف موريل الناطق باسم البنتاغون أن الكشف عن الوثائق وعرضها تلفزيونياً، يعرّض القوات الأميركية في العراق (وأيضاً أفغانستان) للخطر.

ورغم أنه ارتفعت أصوات داخل العراق من سياسيين ينتمون إلى طائفة السُّنة تطالب بإجراء تحقيق إلا أنها تبقى مجرد أصوات لن تجد أي استجابة من الزعامات السياسية والأمنية المتهمة بارتكاب التجاوزات، خاصة أن عمليات القتل والتعذيب نفذت بتواطؤ من قيادات القوات الأميركية.

ونفس الحال ينطبق على الشركات الأمنية الأميركية الخاصة، خاصة أن هذه الشركات كانت ولا تزال تمارس أنشطتها بموجب تعاقدات رسمية مع الأجهزة الأميركية وفي مقدمتها وزارة الخارجية.

ويبقى السؤال: هل تذهب الجرائم التي كشفت عنها الوثائق أدراج الرياح ويفلت المجرمون من العقاب؟

بالطبع للضحايا أقارب وربما تتجاوب مع هؤلاء الأقارب بعض جماعات حقوق الإنسان والجمعيات الحقوقية العالمية. ولكن حتى لو تبنت هذه المنظمات الأمر فإنها لن تجد الطريق القانوني ممهداً أمامها. فقد تنشأ تعقيدات قانونية كما جرى لتقرير القاضي غولدستون بشأن الجرائم التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في قطاع غزة عند نهاية عام 2008 وبداية عام 2009.

في هذا السياق قال المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس أوكامبو إن المحكمة لن تقبل النظر في دعوى ضد الولايات المتحدة والعراق لأن كلتيهما ليستا من الدول الأعضاء الموقعة على «ميثاق روما» ـ أي النظام التأسيسي الذي بموجبه أنشئت المحكمة.

لكن السودان أيضاً ليس من بين الدول التي صادقت على نظام المحكمة. والسؤال إذاً هو: لماذا وافق قضاة المحكمة على طلب من أوكامبو فأصدروا مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير؟

يجيب المدعي العام على هذا السؤال بأن المحكمة قبلت النظر في قضية الرئيس السوداني لأن المسألة نقلت إليها من مجلس الأمن الدولي.

هي إذاً مسألة سياسية أولاً وأخيراً نستخلص منها أن مجلس الأمن الدولي لن يستطيع أن يتخذ قراراً مماثلاً ضد الولايات المتحدة والعراق بشأن جرائم الحرب التي كشفت عنها الوثائق لأن من المؤكد أن أميركا سوف تستخدم حق الفيتو في هذه الحالة لإحباط القرار.

ويبقى السؤال الأكبر: هل ما قام به موقع ويكيليكس من نشر مئات الألوف من الوثائق يعتبر هباءً منثوراً؟ هل هذا العمل بلا قيمة؟

الإجابة هي نعم من ناحية المساءلة والمحاسبة القانونية.

ولكن مع ذلك فإن لهذا العمل قيمة إعلامية وسياسية لا تقدر بثمن. وكما قال صاحب الموقع فإن الهدف هو أن يعرف الناس الحقيقة على المستوى العالمي مما يرفع من الوعي السياسي الشعبي عالمياً بما قد يردع قوى دولية كبرى عن تكرار الفظائع التي ارتكبت. إنها في كل الأحوال نقلة إعلامية نوعية.

كاتب صحافي سوداني