ليس تجنياً على أحزاب اللقاء المشترك ولا نفاقاً أو مجاملة للحزب الحاكم إذا ما قلنا أن أقصى ما يمكن أن يقدمه أي حزب حاكم في أي بلد ديمقراطي هو أن يقبل بالشراكة مع الآخر في حكومة وحدة وطنية للإشراف على الانتخابات وأن يقبل أيضاً بإشراك الآخر، بصرف النظر عن رصيده الجماهيري المحدود بنسبة متساوية في اللجان المعنية بإدارة هذه الانتخابات مع أن مركز هذا الآخر على الساحة لايكاد يتجاوز 20%.
كما أنه لا يوجد على الإطلاق حزب على سدة الحكم يقبل بما قبل به المؤتمر الشعبي العام، الذي أبدى استعداده لتشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها المعارضة بغض النظر عن نتائج الانتخابات، وبالمقابل ليس هناك معارضة في أي بلد كان ترفض مثل هذه التنازلات، وتسعى إلى امتطاء هرم هش يقوم على قاعدة العناد والتصلب، والتعنت والحمق السياسي الأجوف، الذي لا يدل سوى على أن هذه الأحزاب ما تزال مرتهنة للماضوية الشمولية التي نشأت عليها واستمدت منها فكرها وثقافتها، وأن هذه الأحزاب لا تزال غير قادرة على هضم منطق الديمقراطية وآلياتها التراتبية وأنها تبدو عاجزة عن استيعاب القواعد المنظمة للممارسة الديمقراطية التعددية.
والمؤسف حقاً أنه لا تنازلات أثمرت في إخراج هذه الأحزاب من شرنقتها الشمولية، ولا حالة التسامح التي يبديها الحزب الحاكم وحلفاؤه أعطت مردودها الإيجابي في إقناع هذه الأحزاب بتجاوز حالة التشرنق تلك، والاستفادة من المرونة التي تتمتع بها التجربة الديمقراطية اليمنية في تعزيز حضورها بين صفوف الجماهير والنجاح في امتحان الكفاءة والسباق الانتخابي.
ومثل هذه الضبابية والحماقة السياسية عكست نفسها بشكل جلي في مواقف أحزاب اللقاء المشترك الأخيرة، والتي ظلت تعتمد على مهارات المماطلة والتسويف وإضاعة الوقت، بغية دفع البلاد إلى حافة الفراغ الدستوري، وإفقاد مؤسسات الدولة مشروعيتها، ولا ندري هل تريد بهذا الجنوح غير الرشيد الانتقام من الحزب الحاكم أم الانتقام من الوطن، مع أن الصحيح هو الثاني وهو ما تؤكده ممارساتها، وآخر مثال على ذلك موقف هذه الأحزاب من قضية الطردين المشبوهين حيث حاولت استثمار هذه القضية في التشنيع بالبلاد، وإظهار مسألة كهذه وكأنها خاصية يمنية، مع أن الحقيقة أن موضوع الطرود لم يعد يعني اليمن بعد أن تسربت طرود أخرى أكثر خطورة إلى عدة بلدان ودخلت إلى أهم الأماكن وأكثرها تحصيناً في اليونان وألمانيا وإيطاليا وغيرها من مصادر غير اليمن.
ولا ندري كيف تصور اللقاء المشترك أن قضية الطردين يمكن أن تصبح بالنسبة له ورقة يستخدمها للاستقواء بالخارج على وطنه، وكيف أجاز لنفسه أن يطلق التصريحات التحريضية على اليمن، وبتلك الصورة من الحدة التي تجاوزت في خبثها كل ما قيل في وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية والغربية عموماً.
وإذا كان موقف أحزاب اللقاء المشترك من الانتخابات قد أظهر مدى خصومتها مع الديمقراطية، فإن ما أثارته حول قضية الطردين يظهر المدى الذي بلغته في خصومتها مع الوطن وبالتالي لم يعد من الغريب أن نجد هذه الأحزاب لا تكترث بمصالح وطنها وأمنه وسلامته، خاصة وأنها تتعامل مع هذا الوطن ليس من منطلق الانتماء والولاء له، وإنما من منطلق ما تحصل عليه من المصالح وما يتدفق عليها من المنافع، غير أنه من المشين أن تستمر هذه الأحزاب في التشدق بالوطنية وبالديمقراطية، وهي التي لم تتورع عن انتهاك كل الثوابت وتجاوز كل الخطوط الحمراء، بل والتلاعب بمصائرنا ومحاولة الركوب على أكتافنا وهي تبحث عن المزيد من المكاسب والامتيازات.
ولو كانت هذه الأحزاب جادة في تنفيذ اتفاق فبراير وإجراء التعديلات الدستورية وتعديل قانون الانتخابات والاستفتاء وإعادة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات لما أضاعت حوالي عامين في الأخذ والرد والجدل العقيم وتعطيل الحوار عبر إشغال الساحة الوطنية بقضايا وجزئيات لا علاقة لها بمتطلبات الحوار الجاد والمسؤول ولا بتنفيذ الاتفاقات.
ولكنها لا تريد ديمقراطية ولا انتخابات وكل ما تسعى إليه الحوار من أجل الحوار وتعطيل الانتخابات وإحلال الفوضى وتكريس الخراب ووضع البلاد على كف عفريت، بعد أن استهوتها لعبة المقامرة والمغامرة، وتراءى لها أن بوسعها أن تؤسس لانطباع عام بأن كل شيء في هذا البلد قابل للاختراق والانتهاك دون وعي بأن الانتخابات هي استحقاق دستوري ووطني وحق من حقوق الشعب وليست ملكاً لحزب أو جماعة أو مكون سياسي.
وحتى لا يهدر القائمون على أحزاب اللقاء المشترك جهودهم في أمور لن تنفعهم فإن الأجدى لهم استثمار تلك الجهود في تقويم مواقفهم وإصلاح اعوجاجهم، والانخراط في صف الوطن، الذي هو أهم من جميع الأحزاب وأهم من جميع الأشخاص وأهم من جميع الكيانات السياسية، ومصالحه العليا أهم من كل المصالح الذاتية والأنانية الضيقة.
ومنْ يبحث عن الأضواء والشهرة والاستعراض على حساب وطنه هو خاسر لا محالة وسينتهي به المطاف في مهاوي النسيان والضياع، وكفى بالزمان واعظاً.
